شفاء العليل

الإحساس والحركة الإرادية وجنس الشعور، وأن الحيوان البهيم قد يكون أقوى إحساسًا وحياة وشعورًا من الإنسان، وليس بقابل لما الإنسان قابل له من معرفة الحق وإرادته دون غيره، فلولا قوة في الفطرة والنفس الناطقة اختص بها الإنسان دون الحيوان، يقبل بها أن يعرف الحق ويريد الخير؛ لكان هو والحيوان في هذا العدم سواء.

وحينئذ يلزم أحد أمرين كلاهما ممتنع: إما كون الإنسان فاقدًا لهذه المعرفة والإرادة كغيره من الحيوانات، أو تكون حاصلة لها كحصولها للإنسان، فلولا أن في الفطرة والنفس الناطقة قوة تقتضي ذلك لما حصل لها، ولو كان بغير قوة ومقتضٍ منها لأمكن١ حصوله للجمادات والحيوانات، لكن فاطرها وبارئها خصها بهذه القوة والقابلية، وفطرها عليها.

يوضحه الوجه الثامن: أنه لو كان السبب مجرّد التعليم من غير قوة قابلة لحصل ذلك في الجمادات والحيوانات؛ لأن السبب واحد، ولا قوة هناك يميز بها٢ هذا المحل من غيره، فعُلِم أن حصول ذلك في محل دون محل هو لاختلاف القوابل والاستعدادات.

الوجه التاسع: أن حصول هذه المعرفة والإرادة في العدم المحض محال، فلابدّ من وجود المحل، وحصوله في موجود غير قابل محال، بل لابدّ من قبول المحل، وحصوله من غير مَدَد من الفاعل إلى القابل [محال]٣، فلو قطع الفاعل إمداده لذلك المحل القابل لم يوجد ذلك

  1. (١) «د»: «لا يمكن» مهملة، وهو خلاف المراد من الجملة، والمثبت أوفق.
  2. (٢) تحتمل في «د»: «يهيء بها»، والمثبت من «ت» أصح.
  3. (٣) «ت»: «بحال»، وهي ساقطة من «د»، والمثبت أشبه بالسياق.
458

المقبول، فلابدّ من الإيجاد والإعداد والإمداد، فإذا استحال وجود القبول من غير إيجاد المحل استحال وجوده من غير إعداده وإمداده، والخلّاق العليم سبحانه هو الموجِد المُعِدّ المُمِدّ.

الوجه العاشر: أنه من المعلوم أن النفس لا توجب بنفسها لنفسها حصول العلم والإرادة، بل لابدّ فيها من قوة تقبل بها ذلك، لا تكون هي المعطية لتلك القوة، وتلك القوة لا تتوقف على أخرى، وإلا لزم التسلسل الممتنع أو الدور الممتنع، وكلاهما ممتنع، فهنا ثلاثة أمور:

أحدها: وجود قوة قابلة.

الثاني: أن تلك القوة ليست هي المعطية لها.

الثالث: أن تلك القوة لا تتوقف على قوة أخرى.

فحينئذ لزم أن يكون فاطرها وبارئها قد فطرها على تلك القوة، وأعدّها بها لقبول ما خُلِقت له، وقد عُلِم بالضرورة أن نسبة ذلك إليها وضده ليسا على السواء.

الوجه الحادي عشر: أنا لو فرضنا توقّف هذه المعرفة والمحبة على سبب من خارج، أليس عند حصول ذلك السبب يوجد في الفطرة ترجيح ذلك ومحبته على ضده؟ فهذا الترجيح والمحبة والإيثار أمر مركوز في الفطرة.

الوجه الثاني عشر: أنا لو فرضنا أنه لم يحصل المُفْسِد الخارج، ولا المُصْلِح الخارج؛ لكانت الفطرة مقتضية لإرادة المُصْلِح وإيثاره على ما سواه، وإذا كان المقتضي موجودًا والمانع مفقودًا وجب حصول الأثر؛ فإنه

459

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي