تهذيب السنن

أحدها: أن ذلك كلَّه منسوخ؛ قيام تابِعها، وقيام من مرَّت عليه، وقيام المشيّع على القبر. قال هؤلاء: وما جاء من القعود نَسْخٌ لهذا كلِّه.

وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن شرطَ النسخِ المعارضةُ والتأخر، وكلاهما منتفٍ في القيام على القبر بعد الدفن، وفي استمرار قيام المشيّعين حتى توضع، وإنما يمكن دعوى النسخ في قيام القاعد الذي تمر به الجنازة على ما فيه.

الثاني: أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة في معناها، فمنها حديث عامر بن ربيعة، وهو في «الصحيحين»، وفي بعض طرقه: «إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليَقُم حتى تخلِّفَه، أو توضع مِن قَبل أن تخلفه»١. وفي لفظ: «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلِّفه»٢.

ومنها: حديث أبي سعيد، وهو متفق عليه، ولفظهما٣: «إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع». وفي لفظ لهما٤: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلسْ حتى توضع». وهو دليل على القيام في المسألتين.

ومنها: حديث جابر في قيامه لجنازة يهودي، وهو في «الصحيحين»٥.

  1. (١) هذا لفظ مسلم (٩٥٨/ ٧٤)، وبنحوه عند البخاري (١٣٠٨).
  2. (٢) «صحيح مسلم» (٩٥٨/ ٧٥).
  3. (٣) سبق تخريجه.
  4. (٤) البخاري (١٣١٠) ومسلم (٩٥٩/ ٧٧).
  5. (٥) وقد سبق في أحاديث الباب.
363

وتعليله بأن ذلك كراهية أن تَطُولَه تعليل باطل، فإن النبي ﷺ علَّل بخلافه. وعنه في ذلك ثلاث علل:

إحداها١: قوله: «إن الموت فزع»، ذكره مسلم في حديث جابر، وقال: «إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا».

الثانية: أنه قام للملائكة، كما روى النسائي٢ عن أنس: أن جنازة مرت برسول الله ﷺ فقام، فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: «إنما قمنا للملائكة».

الثالثة: التعليل بكونها نَفْسًا، وهذا في «الصحيحين»٣ من حديث قيس بن سعد وسهل بن حُنَيف قالا: إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل: إنه يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟».

فهذه هي العلل الثابتة عنه. وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله، فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة. ولو قُدِّر ثبوتها فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي ﷺ الذي ذكره بلفظه أولى.

فهذه الأحاديث مع كثرتها وصحتها كيف يقدَّم عليها حديثُ عبادة مع ضعفه؟!

وحديث علي، وإن كان في «صحيح مسلم»، فهو حكاية فعلٍ لا عموم له، وليس فيه لفظ عامٌّ يحتج به على النسخ، وإنما فيه أنه قام وقعد، وهذا

  1. (١) في الأصل وط. المعارف: «أحدها».
  2. (٢) في «المجتبى» (١٩٢٩) و«الكبرى» (٢٠٦٦)، وصححه الحاكم على شرط مسلم (١/ ٣٥٧)، واختاره الضياء (٧/ ١٣٠ - ١٣١).
  3. (٣) البخاري (١٣١٢) ومسلم (٩٦١).
364

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي