ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم إنكارَه الدليلُ على جوازه. وقد يحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة ــ إن ثبت ــ نقصان الأجر، لأن من صلّى عليها في المسجد الغالبُ أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، ومن سعى إلى الجنازة فصلّى عليها بحضرة المقابر شهد دفنها وأحرز أجر القيراطين، وقد يؤجر أيضًا على كثرة خُطاه، فصار الذي يصلِّي عليها في المسجد منقوصَ الأجر بالإضافة إلى هذا.
وقال بعضهم: «لا شيء له» أي: لا شيء عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾[الإسراء: ٧]. وهذا والذي قبله ضعيفان]١.
١٥ - باب الصلاة على القبر
٣٤٧/ ٣٠٧٤ - عن أبي هريرة أن امرأة سوداء أو رجلًا كان يَقُمُّ المسجدَ، ففقده النبي ﷺ فسأل عنه؟ فقيل: مات، فقال: «ألّا آذنتموني به؟» قال: «دُلُّوني على قبره»، فدلُّوه، فصلَّى عليه.
وأخرجاه٢.
قال ابن القيم ﵀: وقد روى البخاري٣ عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قام على قبر منبوذ فأَمَّهم وصَلَّوا خلفه.
قال الترمذي٤: وفي الباب عن أنس، وبريدة، ويزيد بن ثابت، وأبي
(١) ما بين الحاصرتين من (هـ)، ولعل المجرّد لم ينقله لأنه مما نقله المؤلف من كلام المنذري، عدا قوله: «وهذا والذي قبله ضعيفان»، فهو من تعقيب المؤلف.
(٢) أبو داود (٣٢٠٣)، والبخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٥).
(٣) رقم (١٣٣٦)، ورواه مسلم (٩٥٤) بنحوه.
(٤) عقب روايته لحديث ابن عباس السابق برقم (١٠٣٧).
هريرة، وعامر بن ربيعة، وأبي قتادة، وسهل بن حُنَيف١.
قال الترمذي: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول الشافعي وأحمد٢ وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: لا يُصلَّى على القبر، وهو قول مالك بن أنس٣. وقال عبد الله بن المبارك: إذا دُفن الميت ولم يُصَلَّ عليه صُلِّي على القبر».
وقال الإمام أحمد٤: ومن يشك في الصلاة على القبر؟ يُروى عن النبي ﷺ من ستة وجوه كلها حسان.
وقد روى مسلم في «صحيحه»٥ عن أنس: أن النبي ﷺ صلى على قبر.
وفي «الصحيحين»٦ عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده ــ فذكر الحديث ــ وفيه: «فأتى قبره فصلى عليه».
ولكن هذه الأحاديث إنما تدل على قول ابن المبارك، فإنها وقائع أعيان، والله تعالى أعلم.
(١) انظر لأحاديث هؤلاء: «الإرواء» (٧٣٦/ ١)، و«نزهة الألباب في قول الترمذي وفي الباب» للوائلي (٣/ ١٦٥٦ - ١٦٦٠).
(٢) انظر: «الأم» (٢/ ٦٠٩)، و«مسائل أحمد» برواية أبي داود (ص ٢٢٢) وعبد الله (ص ١٤٠) وصالح (١/ ٤٦٦).
(٣) انظر: «المدونة الكبرى» (١/ ١٨١ - ١٨٢).
(٤) كما في «التمهيد» (٦/ ٢٦١)، و«المغني» (٣/ ٤٤٥)، والمؤلف صادر عنه.