٣٥٧/ ٣١٠١ - وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: «إنَّ العبد إذا وُضِعَ في قبره وتَوَلّى عنه أصحابُه إنَّه لَيَسْمَع قَرْعَ نِعالهم».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١.
قال ابن القيم ﵀: وقد اختلف الناس في هذين الحديثين، فضعّفت طائفة حديث بشير. قال البيهقي٢: رواه جماعة عن الأسود بن شيبان، ولا يُعرَف إلا بهذا الإسناد، وقد ثبت عن أنس عن النبي ﷺ: (فذكر هذا الحديث).
وقال أحمد بن حنبل ﵀٣: حديث بشير إسناده جيد أذهب [ق ١٧٠] إليه، إلا من علة.
قال المجوِّزون: يحتمل أن يكون النبي ﷺ رأى بنعليه قذرًا فأمره أن يخلعهما. ويحتمل أن يكون كره له المشي فيهما لِما فيه من الخيلاء، فإن النعال السِّبتية من زِيِّ أهل التنعُّم والرفاهية، كما قال عنترة٤:
بطَلٍ كأن ثيابه في سَرْحَةيُحذى نعالَ السِّبْت ليس بتوأم
وهذا ليس بشيء، ولا ذِكْر في الحديث لشيء من ذلك. ومن تدبر نهي النبي ﷺ عن الجلوس على القبر، والاتكاء إليه، والوطء عليه= علم أن
(١) أبو داود (٣٢٣١)، والبخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠)، والنسائي (٢٠٤٩).
النهي إنما كان احترامًا لسُكّانها أن يُوطأ بالنعال فوق رؤوسهم. ولهذا يُنهى عن التغوط بين القبور. وأخبر النبي ﷺ أن الجلوس على الجمر حتى تُحرِق الثياب خير من الجلوس على القبر١، ومعلوم: أن هذا أخف من المشي بين القبور بالنعال.
وبالجملة، فاحترام الميت في قبره بمنزلة احترامه في داره التي كان يسكنها في الدنيا، فإن القبر قد صار داره. وقد تقدم٢ قوله ﷺ: «كسرُ عظمِ الميت ككسره حيًّا»، فدل على أن احترامه في قبره كاحترامه في داره.
والقبور هي ديار الموتى ومنازلهم ومحل تزاوُرِهم، وعليها تنزل الرحمة من ربهم والفضل على محسنهم، فهي منازل المرحومين ومَهبِط الرحمة، ويَلقَى بعضُهم بعضًا على أفنية قبورهم، يتجالسون ويتزاورون، كما تضافرت به الآثار. ومن تأمل «كتاب القبور» لابن أبي الدنيا رأى فيه آثارًا كثيرة في ذلك.
فكيف يُستبعَد أن يكون من محاسن الشريعة إكرامُ هذه المنازل عن وطئها بالنعال واحترامها؟ بل هذا من تمام محاسنها، وشاهده ما ذكرناه من وطئها، والجلوس عليها والاتكاء عليها.
وأما تضعيف حديث بشير، فممّا لم نعلم أحدًا طعن فيه، بل قد قال الإمام أحمد: إسناده جيد. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان عبد الله بن
(١) أخرجه مسلم (٩٧١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في «المختصر» (٣٠٧٨) وفي «السنن» (٣٢٠٧) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا. وقد اختُلف في الحديث وقفًا ورفعًا، والذين وقفوه على عائشة أوثق وأكثر. انظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (١/ ١٥٠)، و«العلل» للدارقطني (٣٧٥٦).