والثاني: يكره من غير تحريم. وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايات عنه١.
وحجة هذا القول: حديث أم عطية المتفق عليه٢: «نُهِينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعزَم علينا». وهذا يدل على أن النهي عنه للكراهة لا للتحريم.
والثالث: أنه مباح لهن غير مكروه، وهو الرواية الأخرى عن أحمد. واحتج لهذا القول بوجوه:
أحدها: ما رواه٣ مسلم في «صحيحه»٤ من حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها».
وفيه أيضًا٥ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت».
قالوا: وهذا الخطاب يتناول النساء بعمومه بل هن المراد به، فإنه إنما
(١) انظر: «المغني» (٣/ ٥٢٣).
(٢) البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨).
(٣) في الطبعتين: «روى» خلافًا للأصل.
(٤) برقم (٩٧٧).
(٥) برقم (٩٧٦).
علم نهيه عن زيارتها للنساء دون الرجال، وهذا صريح في النسخ، لأنه قد صرح فيه بتقدم النهي، ولا ريب في أن المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها، والنساء قد نُهِين عنها فيتناولهن الإذن.
قالوا: وأيضًا فقد قال عبد الله بن أبي مُلَيكة لعائشة يا أم المؤمنين مِن أين أقبلتِ؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: قد نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، قد نهى ثم أمر بزيارتها. رواه البيهقي١ من حديث يزيد بن زُرَيع، عن بِسطام بن مُسْلم، عن أبي التَّيّاح عن ابن أبي مُلَيكة.
[وروى الترمذي٢ عن ابن أبي مليكة]٣ قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بِحُبْشيّ، فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن، فقالت٤:
وكنا كنَدْمانَي جَذِيمةَ حِقبةًمن الدهر حتى قيل لن يتصدَّعا
فلما تفرقنا كأنّي ومالكًالطول اجتماع لم نَبِت ليلةً معا
(١) «السنن الكبرى» (٤/ ٧٨) عن أبي عبد الله الحاكم، وهو في «مستدركه» (١/ ٣٧٦). قال البيهقي: تفرّد به بسطام. قلت: هو ثقة، وسائر رجاله ثقات.
(٢) «الجامع» (١٠٥٥)، وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٥/ ٢٢)، وابن أبي شيبة (١١٩٣٣)، والحاكم (٣/ ٤٧٦)، من طريقين عن ابن أبي مليكة، ورجالهما ثقات.
(٣) الظاهر أنه حصل انتقال النظر في الأصل من «ابن أبي مليكة» إلى مثله فسقط ما بين الحاصرتين أو نحوه.
(٤) متمثّلةً، والبيتان من قصيدة لمتمِّم بن نُوَيرة يرثي بها أخاه مالكًا. انظر: «المفضّليات» (ص ٢٦٧).