علم نهيه عن زيارتها للنساء دون الرجال، وهذا صريح في النسخ، لأنه قد صرح فيه بتقدم النهي، ولا ريب في أن المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها، والنساء قد نُهِين عنها فيتناولهن الإذن.
قالوا: وأيضًا فقد قال عبد الله بن أبي مُلَيكة لعائشة يا أم المؤمنين مِن أين أقبلتِ؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: قد نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، قد نهى ثم أمر بزيارتها. رواه البيهقي١ من حديث يزيد بن زُرَيع، عن بِسطام بن مُسْلم، عن أبي التَّيّاح عن ابن أبي مُلَيكة.
[وروى الترمذي٢ عن ابن أبي مليكة]٣ قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بِحُبْشيّ، فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن، فقالت٤:
وكنا كنَدْمانَي جَذِيمةَ حِقبةًمن الدهر حتى قيل لن يتصدَّعا
فلما تفرقنا كأنّي ومالكًالطول اجتماع لم نَبِت ليلةً معا
(١) «السنن الكبرى» (٤/ ٧٨) عن أبي عبد الله الحاكم، وهو في «مستدركه» (١/ ٣٧٦). قال البيهقي: تفرّد به بسطام. قلت: هو ثقة، وسائر رجاله ثقات.
(٢) «الجامع» (١٠٥٥)، وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٥/ ٢٢)، وابن أبي شيبة (١١٩٣٣)، والحاكم (٣/ ٤٧٦)، من طريقين عن ابن أبي مليكة، ورجالهما ثقات.
(٣) الظاهر أنه حصل انتقال النظر في الأصل من «ابن أبي مليكة» إلى مثله فسقط ما بين الحاصرتين أو نحوه.
(٤) متمثّلةً، والبيتان من قصيدة لمتمِّم بن نُوَيرة يرثي بها أخاه مالكًا. انظر: «المفضّليات» (ص ٢٦٧).
ثم قالت: والله لو حضرتك، ما دُفِنتَ إلا حيث متَّ، ولو شهدتُك ما زرتُك.
قالوا: وأيضًا فقد ثبت في «الصحيحين»١ من حديث أنس قال: مَرَّ النبي ﷺ بامرأةٍ عند قبر تبكي على صبي لها، فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟! فلما ذهب٢ قيل لها: إنه رسول الله ﷺ، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أَعرِفْك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وترجم عليه البخاري: «باب زيارة القبور».
قالوا: ولأن تعليله زيارتَها بتذكير الآخرة أمر يشترك فيه الرجال والنساء، وليس الرجال بأحوج إليه منهن.
قال الأولون: أحاديث التحريم صريحة في معناها، فإن رسول الله ﷺ لعن النساء على الزيارة، واللعن على الفعل من أدل الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج، وهذا غير منسوخ، بل لعن في مرض موته مَن فعله، كما تقدم.
قالوا: وقوله ﷺ: «كنت نهيتكم» إنما هو صيغة خطاب الذكور، والإناثُ وإن دخلن فيه تغليبًا، فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن، وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور.