تهذيب السنن

ثم قالت: والله لو حضرتك، ما دُفِنتَ إلا حيث متَّ، ولو شهدتُك ما زرتُك.

قالوا: وأيضًا فقد ثبت في «الصحيحين»١ من حديث أنس قال: مَرَّ النبي ﷺ بامرأةٍ عند قبر تبكي على صبي لها، فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟! فلما ذهب٢ قيل لها: إنه رسول الله ﷺ، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أَعرِفْك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وترجم عليه البخاري: «باب زيارة القبور».

قالوا: ولأن تعليله زيارتَها بتذكير الآخرة أمر يشترك فيه الرجال والنساء، وليس الرجال بأحوج إليه منهن.

قال الأولون: أحاديث التحريم صريحة في معناها، فإن رسول الله ﷺ لعن النساء على الزيارة، واللعن على الفعل من أدل الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج، وهذا غير منسوخ، بل لعن في مرض موته مَن فعله، كما تقدم.

قالوا: وقوله ﷺ: «كنت نهيتكم» إنما هو صيغة خطاب الذكور، والإناثُ وإن دخلن فيه تغليبًا، فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن، وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور.

  1. (١) البخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦).
  2. (٢) في الأصل: «ذهبت»، تصحيف.
392

قالوا: وأما قولكم: إن النهي إنما كان للنساء خاصة، فغير صحيح، لأن قوله: «كنت نهيتكم» خطاب للذكور أصلًا ووضعًا، فلا بد وأن يتناولهم. ولو كان النهي إنما كان للنساء خاصةً لقال: «كنت نهيتكن» ولم يقل «نهيتكم». بل كان في أول الإسلام قد نهى عن زيارة القبور صيانةً لجانب التوحيد، وقطعًا للتعلق بالأموات، وسدًّا لذريعة الشرك التي أصلها من عبادة القبور، كما قال ابن عباس١. فلما تمكّن التوحيد من قلوبهم واضمحلّ الشرك واستقر الدين أَذِن في زيارةٍ يحصل بها مزيدُ الإيمان وتذكيرُ ما خُلِق العبد له من دار البقاء، فأذِن حينئذ فيها، فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنُه فيها للمصلحة.

وأما النساء، فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن، لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء

  1. (١) يشير إلى أثر ابن عباس المشهور الذي أخرجه البخاري (٤٩٢٠) وغيره أن أوثان قوم نوح إنما كانت أسماء رجال صالحين، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم أنصابًا وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عُبِدت.
    وليس في أثر ابن عباس ذكر لقبور هؤلاء الصالحين وافتتان قومهم بها، كما يوهمه ظاهر كلام المؤلف، ولعله تبع في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه عندما يورد تفسير ابن عباس وغيره من السلف لآية سورة نوح يقول: «فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم». انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ١٥١، ١٦٧، ٣٥٧، ١١/ ٢٩٢).
    وعلى كلّ، فلا شك أن افتتان المشركين القبوريين بأضرحة الصالحين هو مثل افتتان قوم نوح بتماثيل الصالحين سواءً بسواء.
393

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي