تهذيب السنن

فدلّ على أنها معلومة عندهم. وقد قال يحيى بن آدم ووكيع وابن إسحاق: القُلّة: الجَرَّة. وكذلك قال مجاهد: القُلّتان: الجَرَّتان١.

* وأما كونها متساويةَ المقدار، فقد قال الخطابي في "معالمه"٢: "قلال هجر مشهورة الصَّنْعة معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان". وهو حُجَّة في اللغة.

* وأما [ق ١٢] تقديرها بِقِرَب الحجاز، فقد قال ابن جُريج: رأيت القُلَّة تَسَع قربتين٣. وابنُ جُريج حجازيّ، إنما أخبر عن قرب الحجاز، لا العراق ولا الشام ولا غيرهما.

* وأما كونها لا تتفاوت، فقال الخطابي: "القرب المنسوبة إلى البلدان المحذوَّة٤ على مثال واحد"، يريد: أن قِرَب كلّ بلد على قَدْرٍ واحد لا تختلف. قال: "والحدّ لا يقع بالمجهول".

* وأما كون المفهوم حُجّة، فله طريقان:

أحدهما: التخصيص.

والثاني: التعليل.

أما التخصيص، فهو أن يقال: تخصيصُ الحُكْم بهذا الوصف والعدد

  1. (١) ذكر هذه الآثار البيهقي: (١/ ٢٦٤)، وانظر "الأوسط": (١/ ٢٦٢) لابن المنذر، و"التلخيص الحبير": (١/ ٣١).
  2. (٢) (١/ ٥٧ - بهامش المختصر).
  3. (٣) ذكره عنه الشافعي في "الأم": (٢/ ١١).
  4. (٤) كذا في الأصل، وفي عدة مطبوعات للمعالم: "المحدودة".
53

لا بدَّ له من فائدة، وهي نفي الحكم عمّا عدا المنطوق.

وأما التعليل فيختصّ بمفهوم الصفة، وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدلّ على أنه علّة له، فينتفي الحكم بانتفائها.

فإن كان المفهوم مفهوم شرط، فهو قويّ؛ لأن المشروط عدمٌ عند عدم شرطه وإلا لم يكن شرطًا له.

* وأما تقديمه على العموم، فلأن دلالته خاصّة، فلو قُدِّم العمومُ عليه بطلَتْ دلالتُه جملةً، وإذا خُصّ به العموم عُمِل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما.

كيف وقد تأيَّد المفهومُ بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقته١، وبحديث النهي عن غَمْس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل٢؟

* وأما تقديمه على القياس الجليّ فواضح؛ لأن القياس عمومٌ معنويّ، فإذا ثبت تقديمه على العموم اللفظي فتقديمه على المعنويّ بطريق الأَوْلى، ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس، كخروجها من مقتضى لفظ

  1. (١) الأمر بالغسل متفق عليه، أخرجه البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة ﵁. والأمر بالإراقة عند مسلم (٢٧٩/ ٨٩) من طريق علي بن مُسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار". قال النسائي في "السنن": (١/ ٥٣): "لا أعلم أحدًا تابع عليَّ بن مسهر على زيادة (فليرقه) ". وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة. وانظر "فتح الباري": (١/ ٣٣٠ - ٣٣١).
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
54

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي