تهذيب السنن

لا بدَّ له من فائدة، وهي نفي الحكم عمّا عدا المنطوق.

وأما التعليل فيختصّ بمفهوم الصفة، وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدلّ على أنه علّة له، فينتفي الحكم بانتفائها.

فإن كان المفهوم مفهوم شرط، فهو قويّ؛ لأن المشروط عدمٌ عند عدم شرطه وإلا لم يكن شرطًا له.

* وأما تقديمه على العموم، فلأن دلالته خاصّة، فلو قُدِّم العمومُ عليه بطلَتْ دلالتُه جملةً، وإذا خُصّ به العموم عُمِل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما.

كيف وقد تأيَّد المفهومُ بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقته١، وبحديث النهي عن غَمْس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل٢؟

* وأما تقديمه على القياس الجليّ فواضح؛ لأن القياس عمومٌ معنويّ، فإذا ثبت تقديمه على العموم اللفظي فتقديمه على المعنويّ بطريق الأَوْلى، ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس، كخروجها من مقتضى لفظ

  1. (١) الأمر بالغسل متفق عليه، أخرجه البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة ﵁. والأمر بالإراقة عند مسلم (٢٧٩/ ٨٩) من طريق علي بن مُسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار". قال النسائي في "السنن": (١/ ٥٣): "لا أعلم أحدًا تابع عليَّ بن مسهر على زيادة (فليرقه) ". وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة. وانظر "فتح الباري": (١/ ٣٣٠ - ٣٣١).
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
54

العموم.

* وأما كون المفهوم عامًّا؛ فلأنه إنما دل على نفي الحكم عمّا عدا المنطوق بطريق سكوته عنه، ومعلوم أن نسبة السكوت إلى جميع الصور واحدة، فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكّم، ولا إثبات حُكْم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص، فتعين نَفْيه١ عن جميعها.

* وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد؛ فلأنه عددٌ صدر من الشارع، فكان تحديدًا وتقييدًا، كالخمسة الأوسق، والأربعين من الغَنَم، والخَمْس من الإبل، والثلاثين من البقر، وغير ذلك، إذ لا بدّ للعدد من فائدة، ولا فائدة له إلا التحديد.

* وأما الجواب عن المعارض، فليس معكم إلا عموم لفظيّ، أو عموم معنويّ وهو القياس، وقد بينّا٢ تقديم المفهوم عليهما.

* وأما جَعْل الشيء نصفًا؛ فلأنه قد شُكّ فيه، فجعلناه نصفًا احتياطًا٣، والظاهر أنه لا يكون أكثر منه، ويحتمل النصف فما دون، فتقديره بالنصف أولى.

* وأما كون ما وجب به الاحتياط يصير فرضًا؛ لأن هذا حقيقة الاحتياط، كإمساكِ جزءٍ من الليل مع النهار، وغَسل جزء من الرأس مع الوجه.

  1. (١) غير محررة في الأصل، وفي (ش): "بقيد". والصواب ما أثبتنا.
  2. (٢) رسمها في الأصل: "تبنا".
  3. (٣) في المطبوعتين: "احتياطيًّا" خلافًا للأصل.
55

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي