تهذيب السنن

العموم.

* وأما كون المفهوم عامًّا؛ فلأنه إنما دل على نفي الحكم عمّا عدا المنطوق بطريق سكوته عنه، ومعلوم أن نسبة السكوت إلى جميع الصور واحدة، فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكّم، ولا إثبات حُكْم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص، فتعين نَفْيه١ عن جميعها.

* وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد؛ فلأنه عددٌ صدر من الشارع، فكان تحديدًا وتقييدًا، كالخمسة الأوسق، والأربعين من الغَنَم، والخَمْس من الإبل، والثلاثين من البقر، وغير ذلك، إذ لا بدّ للعدد من فائدة، ولا فائدة له إلا التحديد.

* وأما الجواب عن المعارض، فليس معكم إلا عموم لفظيّ، أو عموم معنويّ وهو القياس، وقد بينّا٢ تقديم المفهوم عليهما.

* وأما جَعْل الشيء نصفًا؛ فلأنه قد شُكّ فيه، فجعلناه نصفًا احتياطًا٣، والظاهر أنه لا يكون أكثر منه، ويحتمل النصف فما دون، فتقديره بالنصف أولى.

* وأما كون ما وجب به الاحتياط يصير فرضًا؛ لأن هذا حقيقة الاحتياط، كإمساكِ جزءٍ من الليل مع النهار، وغَسل جزء من الرأس مع الوجه.

  1. (١) غير محررة في الأصل، وفي (ش): "بقيد". والصواب ما أثبتنا.
  2. (٢) رسمها في الأصل: "تبنا".
  3. (٣) في المطبوعتين: "احتياطيًّا" خلافًا للأصل.
55

فهذا تمام تقرير هذا الحديث سندًا ومتنًا، ووجه الاحتجاج به.

* قال المانعون من التحديد بالقُلّتين:

- أما قولكم: إنه قد صحَّ سندُه، فلا يفيد الحكم بصحته؛ لأنَّ صحّةَ السندِ شرطٌ أو جُزءُ سببٍ للعلم بالصحة لا موجِبٌ تامّ، فلا يلزم من مجرّد صحة السند صحةُ الحديث ما لم ينتفِ عنه الشذوذُ والعلة، ولم ينتفيا عن هذا الحديث.

- أما الشذوذ، فإنّ هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، وهو في المياه كالأوسُق في الزكاة، والنُّصُب في الزكاة، فكيف لا يكون مشهورًا شائعًا بين الصحابة ينقله خلفٌ عن سلف، لشدة حاجة الأمة إليه أعظمَ من حاجتهم إلى نُصُب الزكاة؟ فإنَّ أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة، والوضوء بالماء الطاهر فرض على كلِّ مسلم، فيكون الواجب نقل هذا الحديث، كنقل نجاسة البول ووجوب غسله، ونقل عدد الركعات، ونظائر ذلك.

ومن المعلوم أنّ هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافع، وسالم، وأيوب١، وسعيد بن جُبير؟ وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السُّنة التي مَخْرجها من عندهم، وهم إليها أحْوَج الخلق، لعزَّة الماء عندهم؟

  1. (١) كذا في الأصل، و"أيوب" إذا أُطلق في طبقة التابعين فهو ابن أبي تميمة السَّخْتياني (ت ١٣١) من صغار التابعين، لم يُدرك ابن عمر ولا أرسل عنه. فلعله ذكره ــ إن لم يكن وهمًا ــ لأنه كان أطلبَ الناس لحديث نافع، ومِن أوثق مَن روى عنه.
56

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي