نسيئة، وهي مذهب أبي حنيفة١، كما دل عليه حديث جابر وابن عمر.
والرواية الثالثة عنه: أنه يجوز فيه النساء إذا كان متماثلًا، ويحرم مع التفاضل.
وعلى هاتين الروايتين: فلا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل، بل إن وُجد أحدهما حَرُم الآخر.
وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وهو قول مالك٢، فيجوز عبد بعبدين حالًّا، وعبد بعبد نَساءً، إلا أن لمالك فيه تفصيلًا، والذي عقد عليه أصل قوله: أنه لا يجوز التفاضل والنساء معًا في جنس من الأجناس، والجنس عنده معتبر باتفاق الأغراض والمنافع، فيجوز٣ بيع البعير النجيب٤ بالبعيرين من الحمولة ومن٥ حاشية إبله إلى أجل، لاختلاف المنافع. وإن أشبه بعضها بعضًا ــ واختلفت أجناسها أو لم تختلف ــ، فلا يجوز منها اثنان بواحدٍ إلى أجل.
فسِرُّ مذهبه: أنه لا يجتمع التفاضُل والنَّساء في الجنس الواحد عنده، والجنسُ ما اتفقت منافعه وأشبه بعضُه بعضًا، وإن اختلفت حقيقته.
(٣) من هنا إلى آخر الفقرة لفظ مالك في «الموطأ» (١٩٠٥) بتصرف يسير.
(٤) ط. الفقي: «البختيّ» خلافًا للأصل، وقد سبق مثله.
(٥) في «الموطأ»: «من» دون واو العطف، أي أن البعيرَين من الحمولة كائنان من حاشية إبله، أي مِن أَدْوَنها. انظر: «المنتقى» للباجي (٦/ ٣٥٥).
فهذا تحقيق مذاهب الأئمة في هذه المسألة المعضلة ومآخذُهم.
وحديث عبد الله بن عمرو١ صريح في جواز المفاضلة والنساء، وهو حديث حسن. قال عثمان بن سعيد٢: قلت ليحيى بن معين: أبو سفيان الذي روى عنه محمد بن إسحاق ــ يعني هذا الحديث ــ ما حاله؟ قال: مشهور ثقة. قلت: عن مسلم بن كثير٣، عن عمرو بن حَرِيش الزُّبَيدي؟ قال: هو حديث مشهور.
ولكن مالك يحمله على اختلاف المنافع والأغراض، فإن الذي كان يأخذه إنما هو للجهاد، والذي جعله عوضه مِن إبل الصدقة، قد يكون من بني المخاض ومن حواشي الإبل ونحوها.
وأما الإمام أحمد، فإنه كان يُعلّل أحاديثَ المنع كلَّها، قال٤: ليس فيها حديث يُعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه.
وذُكر له حديث ابن عباس وابن عمر، فقال: هما مرسلان.
وحديث سمرة عن الحسن، قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصح سماع
(١) في ابتياعه البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة بأمر النبي ﷺ، وقد سبق في أول الباب السابق.
(٢) هو الدارمي في «سؤالاته» لابن معين في «التاريخ» (ص ١٩٩)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/ ١٩٣، ٩/ ٣٨٣).
(٣) هكذا وقع اسمه في بعض طرق الحديث، وفي غيرها: «مسلم بن جُبير»، كما عند أحمد وأبي داود وغيرهما. وقد سبق أن الرواة اختلفوا على ابن إسحاق في إسناد الحديث.
(٤) كما في «المغني» (٦/ ٦٦)، وفيه أيضًا الأقوال الآتية لأحمد.