تهذيب السنن

فهذا تحقيق مذاهب الأئمة في هذه المسألة المعضلة ومآخذُهم.

وحديث عبد الله بن عمرو١ صريح في جواز المفاضلة والنساء، وهو حديث حسن. قال عثمان بن سعيد٢: قلت ليحيى بن معين: أبو سفيان الذي روى عنه محمد بن إسحاق ــ يعني هذا الحديث ــ ما حاله؟ قال: مشهور ثقة. قلت: عن مسلم بن كثير٣، عن عمرو بن حَرِيش الزُّبَيدي؟ قال: هو حديث مشهور.

ولكن مالك يحمله على اختلاف المنافع والأغراض، فإن الذي كان يأخذه إنما هو للجهاد، والذي جعله عوضه مِن إبل الصدقة، قد يكون من بني المخاض ومن حواشي الإبل ونحوها.

وأما الإمام أحمد، فإنه كان يُعلّل أحاديثَ المنع كلَّها، قال٤: ليس فيها حديث يُعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه.

وذُكر له حديث ابن عباس وابن عمر، فقال: هما مرسلان.

وحديث سمرة عن الحسن، قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصح سماع

  1. (١) في ابتياعه البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة بأمر النبي ﷺ، وقد سبق في أول الباب السابق.
  2. (٢) هو الدارمي في «سؤالاته» لابن معين في «التاريخ» (ص ١٩٩)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/ ١٩٣، ٩/ ٣٨٣).
  3. (٣) هكذا وقع اسمه في بعض طرق الحديث، وفي غيرها: «مسلم بن جُبير»، كما عند أحمد وأبي داود وغيرهما. وقد سبق أن الرواة اختلفوا على ابن إسحاق في إسناد الحديث.
  4. (٤) كما في «المغني» (٦/ ٦٦)، وفيه أيضًا الأقوال الآتية لأحمد.
425

الحسن من سمرة.

وأما حديث جابر رواية حجّاجٍ عن أبي الزبير عنه، فقال الإمام أحمد: هذا حجاج زاد فيه: «نَساءً»، والليث بن سعد سمعه من أبي الزبير لا يذكر فيه: «نساءً»١.

وهذه ليست بعلة في الحقيقة، فإن قوله: «ولا بأس به يدًا بيد» يدل على أن قوله: «لا يصلح» يعني نساء، فذِكْر هذه اللفظة زيادة إيضاحٍ، لو سكت عنها لكانت مفهومةً من الحديث، ولكنه معلَّل بالحجاج، فقد أكثرَ الناسُ الكلامَ فيه، وبالغ الدارقطني في «السنن»٢ في تضعيفه وتوهينه.

وقد قال أبو داود٣: «إذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ نُظِر إلى ما عمل به أصحابُه من بعده». وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلًا ونسيئة، وهذا كلُّه مع اتحاد الجنس.

وأما إذا اختلف الجنس، كالعبيد بالثياب، والشاء بالإبل، فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضلُ فيه والنساء، إلا ما حكي رواية عن أحمد: أنه يجوز بيعه متفاضلًا يدًا بيد ولا يجوز نساءً، وحكى هذا أصحابنا عن أحمد روايةً رابعة في المسألة.

واحتجوا لها بظاهر حديث جابر: «الحيوان: اثنان بواحدٍ لا يصلح

  1. (١) لم أجد رواية الليث التي أشار إليها الإمام أحمد، وقد سبق في تخريج حديث الحجاج أنه توبع.
  2. (٢) (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٨) عقب الحديث (٣٣٦٥).
  3. (٣) في «السنن» عقب الحديث (٧٢٠)، ونصّه: «إذا تنازع الخبران عن ...».
426

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي