وأما حديث جابر رواية حجّاجٍ عن أبي الزبير عنه، فقال الإمام أحمد: هذا حجاج زاد فيه: «نَساءً»، والليث بن سعد سمعه من أبي الزبير لا يذكر فيه: «نساءً»١.
وهذه ليست بعلة في الحقيقة، فإن قوله: «ولا بأس به يدًا بيد» يدل على أن قوله: «لا يصلح» يعني نساء، فذِكْر هذه اللفظة زيادة إيضاحٍ، لو سكت عنها لكانت مفهومةً من الحديث، ولكنه معلَّل بالحجاج، فقد أكثرَ الناسُ الكلامَ فيه، وبالغ الدارقطني في «السنن»٢ في تضعيفه وتوهينه.
وقد قال أبو داود٣: «إذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ نُظِر إلى ما عمل به أصحابُه من بعده». وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلًا ونسيئة، وهذا كلُّه مع اتحاد الجنس.
وأما إذا اختلف الجنس، كالعبيد بالثياب، والشاء بالإبل، فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضلُ فيه والنساء، إلا ما حكي رواية عن أحمد: أنه يجوز بيعه متفاضلًا يدًا بيد ولا يجوز نساءً، وحكى هذا أصحابنا عن أحمد روايةً رابعة في المسألة.
واحتجوا لها بظاهر حديث جابر: «الحيوان: اثنان بواحدٍ لا يصلح
(١) لم أجد رواية الليث التي أشار إليها الإمام أحمد، وقد سبق في تخريج حديث الحجاج أنه توبع.
(٢) (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٨) عقب الحديث (٣٣٦٥).
(٣) في «السنن» عقب الحديث (٧٢٠)، ونصّه: «إذا تنازع الخبران عن ...».
نسيئة، ولا بأس به يدًا بيد»، ولم يخص به الجنس المتحد. وكما يجوز التفاضل في المكيل المختلف الجنس دون النساء، فكذلك الحيوان وغيره، إذا قيل إنه ربوي.
وهذه الرواية في غاية الضعف لمخالفتها النصوص، وقياسُ الحيوان على المكيل فاسد، إذ في محل الحكم في الأصل أوصاف معتبرة غيرُ موجودة في الفرع، وهي مؤثرة في التحريم.
وحديث جابر لو صح، فإنما المراد به مع اتحاد الجنس دون اختلافه، كما هو مذكور في حديث ابن عمر.
فهذه نُكَت في هذه المسألة المُعْضِلة، لا تكاد توجد مجموعةً في كتاب، وبالله التوفيق.
٤ - باب في الثَّمَر بالتمْر١
٣٧٤/ ٣٢٢٠ - عن زيد أبي عَيَّاشٍ، أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسُلْتِ؟ فقال له سعد: أيُّهما أفضل؟ قال: البيضاء، قال: فنهاه عن ذلك وقال: سمعت رسول الله ﷺ يُسألُ عن شراءِ التمر بالرُّطَبِ؟ فقال رسول الله ﷺ: «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟» قال: نعم، فنهاه عن ذلك.
وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي٢، وقال: حسن صحيح.
(١) في الأصل و«المختصر» المطبوع ومطبوعة «السنن»: «التمر بالتمر»، والمثبت من (هـ) وبعض الأصول الخطية المجوّدة للسنن، لاسيما نسخة المنذري المقروءة عليه، وهو الموافق لمضمون الأحاديث الواردة فيه.
(٢) أبو داود (٣٣٥٩)، والنسائي (٤٥٤٥)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، والترمذي (١٢٢٥). وأخرجه أيضًا مالك في «الموطأ» (١٨٢٦)، وأحمد (١٥١٥)، وابن حبان (٤٩٩٧)، والحاكم (٢/ ٣٨)، من طرق عن عبد الله بن يزيد المخزومي، عن زيد أبي عيّاش.