تهذيب السنن

تقدم، وقوله: «ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما شيء مضمون معلوم١ فلا بأس».

وهذا مِن أبين ما في حديث رافع وأصحه، وما فيها مجمل أو مطلق أو مختصر فيُحمَل على هذا المفسَّر المبين المتفق عليه لفظًا وحكمًا.

قال الليث بن سعد٢: الذي نهى عنه رسول الله ﷺ أمرٌ إذا نظر ذو البصر٣ بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز.

وقال ابن المنذر٤: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل.

فلا تعارض إذًا بين حديث رافع وأحاديث الجواز بوجه.

السادس: أنه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز وامتنع الجمع بينها، لكان منسوخًا قطعًا بلا ريب، لأنه لا بد من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل نسخ أحاديث الجواز لاستمرار العمل بها من النبي ﷺ إلى أن توفي، واستمرارِ عمل الخلفاء الراشدين، وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل كما تقدم ذكره، فيتعيّن نسخُ حديث رافع.

  1. (١) في الطبعتين: «معلوم مضمون»، مع أن ناسخ الأصل قد وضع عليهما علامة التقديم والتأخير، فلم ينتبه له المحقّقان. والمثبت لفظ أبي داود في أحاديث الباب.
  2. (٢) كما في «صحيح البخاري» عقب حديث رافع من طريقه، برقم (٢٣٤٦).
  3. (٣) في الطبعتين: «ذو البصيرة» خلافًا للأصل.
  4. (٤) في «الإشراف» (٦/ ٢٥٩)، فذكر علّتين. وانظر: «الأوسط» (١١/ ٦٣ وما بعدها) حيث ذكر ست علل كان النهي من أجلها.
446

السابع: أن الأحاديث إذا اختلفت عن النبي ﷺ فإنه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده، وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين وأهلهم وغيرهم من الصحابة بالمزارعة.

الثامن: أن الذي في حديث رافع إنما هو النهي عن كرائها بالثلث أو الربع، لا عن المزارعة، وليس هذا بمخالف لجواز المزارعة، فإن الإجارة شيء والمزارعة شيء؛ فالمزارعة من جنس الشركة يستويان في الغُنْم والغُرْم، فهي كالمضاربة بخلاف الإجارة، فإن المؤجِّر على يقين من المغنم وهو الأجرة، والمستأجرَ على رجاء.

ولهذا كان أحدُ القولين للمجوِّزين المزارعةَ: إنها أحلُّ من الإجارة وأولى بالجواز، لأنهما على سواءٍ في الغُنم والغُرم١، فهي أقرب إلى العدل. فإذا استأجرها بثلثٍ أو ربعٍ كانت هذه إجارة لازمة، وذلك لا يجوز، ولكن المنصوص عن الإمام أحمد جواز ذلك.

واختلف أصحابه على ثلاثة أقوال في نصه٢، فقالت طائفة: يصح ذلك بلفظ المؤاجرة ويكون مزارعة، فيصحُ بلفظ الإجارة كما يصح بلفظ المزارعة. قالوا: والعبرة في العقود بمعانيها وحقائقها لا بصيغها وألفاظها. قالوا: فتصحّ مزارعةً، ولا تصحّ إجارة. وهذه طريقة الشيخ أبي محمد.

الثاني: أنها لا تصح إجارةً ولا مزارعة. أما الإجارة، فلأن من شرطها كونَ العوض فيها معلومًا متميزًا معروف الجنس والقدر، وهذا منتفٍ في

  1. (١) (هـ): «المغنم والمغرم».
  2. (٢) انظر: «الإنصاف» (١٤/ ١٨٨).
447

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي