تهذيب السنن

يُنتفَع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال.

فإن قيل: فالشارع نهى عنها مع هذه المنفعة التي فيها، ولهذا قال رافع: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا.

فالجواب: أن الشارع لا ينهى عن المنافع والمصالح، وإنما ينهى عن المفاسد والمضارّ، وهم ظنوا أن ذلك المنهيَّ عنه منفعةٌ، وإنما هو مضرة ومفسدة مقتضية للنهي. وما تخيَّلُوه من المنفعة فهي منفعة جُزْوِيّة١ لرب الأرض لاختصاصه بخيار الزرع، وما سَعِد منه بالماء، وما على أقبال الجداول، فهذا وإن كانت منفعة له، فهو مضرّة على المزارع، فهو من جنس منفعة المُرْبي٢ بما يأخذه من الزيادة، وإن كان مضرةً على الآخر؛ والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه.

فجواب رافع٣: أن هذا وإن كان منفعةً لكم، فهو مضرة على إخوانكم، فلهذا نهاكم عنه. وأما المزارعة العادلة التي يستوي فيها العامل ورب الأرض فهي منفعة لهما، ولا مضرة فيها على أحد، فلم ينه عنها.

فالذي نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة في ضِمنها منفعةٌ مرجوحة جُزويّة، والذي فعله وأصحابه من بعده٤ مصلحةٌ ومنفعة راجحة، لا مضرة فيها على واحد منهما، فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين لا

  1. (١) في الطبعتين: «جزئية» خلافًا للأصل، والجُزْو لغةٌ في الجزءِ.
  2. (٢) (هـ): «المُرابي».
  3. (٣) يعني: الجواب عن قوله: «نهانا رسول الله ﷺ عن أمرٍ كان لنا نافعًا».
  4. (٤) الأصل: «هذه»، ولعل المثبت من (هـ) هو الصواب.
449

يستويان عند الله ولا عند رسوله١.

وكذلك الجواب عن حديث جابر سواء. وقد تقدم في بعض طرقه أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْريّ ومن كذا ومن كذا، فقال ﷺ: «من كان له أرض فليَزرَعها أو لِيُحْرِثْها٢ أخاه»، فهذا مفسَّر مبيَّن ذُكِر فيه سبب النهي، وأُطلِق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين، ويدل على٣ أنه هو المراد بالنهي.

واتفقت السنن عن رسول الله ﷺ وتآلفت، وزال عنها الاضطراب والاختلاف، وبان أنّ لكل منها٤ وجهًا، وأن ما نهى عنه غيرُ ما أباحه وفَعَله، وهذا هو الواجب والواقع في نفس الأمر، والحمد لله رب العالمين.

٨ - باب مَن زرع أرضًا بغير إذن صاحبها

٣٩١/ ٣٢٦١ - عن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن زرع في أرضِ قومٍ بغير إذنهم، فليس له من الزَّرع شيءٌ وله نفقَتُه».

وأخرجه ابن ماجه٥ والترمذي، وقال: حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من هذا الوجه، من حديث شريك بن عبد الله. قال: وسألت

  1. (١) زاد في ط. الفقي: «ولا عند الناس»، وليس في الأصل.
  2. (٢) ضبطه في الأصل: «ليُخبرنَّها»، خطأ مخالف للفظ الحديث.
  3. (٣) بعده في الأصل: «هذا»، وليست في (هـ)، والكلام مستقيم بدونها.
  4. (٤) الأصل: «فيها»، والتصحيح من (هـ).
  5. (٥) أبو داود (٣٤٠٣)، وابن ماجه (٢٤٦٦) والترمذي (١٣٦٦)، من طريق شريك بن عبد الله النخعي القاضي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عطاء به.
450

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي