وكذلك الجواب عن حديث جابر سواء. وقد تقدم في بعض طرقه أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْريّ ومن كذا ومن كذا، فقال ﷺ: «من كان له أرض فليَزرَعها أو لِيُحْرِثْها٢ أخاه»، فهذا مفسَّر مبيَّن ذُكِر فيه سبب النهي، وأُطلِق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين، ويدل على٣ أنه هو المراد بالنهي.
واتفقت السنن عن رسول الله ﷺ وتآلفت، وزال عنها الاضطراب والاختلاف، وبان أنّ لكل منها٤ وجهًا، وأن ما نهى عنه غيرُ ما أباحه وفَعَله، وهذا هو الواجب والواقع في نفس الأمر، والحمد لله رب العالمين.
٨ - باب مَن زرع أرضًا بغير إذن صاحبها
٣٩١/ ٣٢٦١ - عن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن زرع في أرضِ قومٍ بغير إذنهم، فليس له من الزَّرع شيءٌ وله نفقَتُه».
وأخرجه ابن ماجه٥ والترمذي، وقال: حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من هذا الوجه، من حديث شريك بن عبد الله. قال: وسألت
(١) زاد في ط. الفقي: «ولا عند الناس»، وليس في الأصل.
(٢) ضبطه في الأصل: «ليُخبرنَّها»، خطأ مخالف للفظ الحديث.
(٣) بعده في الأصل: «هذا»، وليست في (هـ)، والكلام مستقيم بدونها.
(٤) الأصل: «فيها»، والتصحيح من (هـ).
(٥) أبو داود (٣٤٠٣)، وابن ماجه (٢٤٦٦) والترمذي (١٣٦٦)، من طريق شريك بن عبد الله النخعي القاضي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عطاء به.
محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن. وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك.
وقال الخطابي١: هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث. وحدثني الحسن بن يحيى، عن موسى بن هارون الحمّال أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعّفه، ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك [ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق، وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئًا. وضعّفه البخاري٢ أيضًا وقال: تفرد بذلك شريك] عن أبي إسحاق، وشريك يهم كثيرًا أو أحيانًا.
وقال الخطابي: وحكى ابن المنذر٣ عن أبي داود قال: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن حديث رافع بن خديج؟ فقال: عن رافع ألوان، ولكن أبا إسحاق زاد فيه: «زرع بغير إذنه»، وليس غيره يذكر هذا الحرف٤.
قال ابن القيم ﵀: وليس مع من ضعّف الحديث حجة، فإن رواته محتج بهم في «الصحيح»، وهم أشهر من أن يسأل عن توثيقهم٥، وقد
(١) «معالم السنن» (٥/ ٦٤ - ٦٥).
(٢) لم أقف عليه عند غير الخطّابي.
(٣) في «الأوسط» (١١/ ٩٦)، وهو في «مسائل أحمد» لأبي داود (ص ٢٧٣).
(٤) كلام المنذري من (هـ)، وفيه تصرّف يسير من المؤلف، وما بين الحاصرتين سقط لانتقال النظر فاستُدرك من «المختصر» (٥/ ٦٥).
(٥) خلا شريك، فإنه صدوق يخطئ، وقد تغيّر حفظه منذ ولي القضاء، ولم يحتج به الشيخان، وإنما استشهد به البخاري في موضع واحد تعليقًا، وأخرج له مسلم في المتابعات. ومع هذا، فإن شريكًا من أثبت أصحاب أبي إسحاق بعد شعبة والثوري، وقد قدّمه أحمد وابن معين على إسرائيل في أبي إسحاق. ثم إنه قد توبع كما عند يحيى بن آدم في «الخراج» (٢٩٦)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ١٣٦). وانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٤٢٧).