حسّنه إمام المحدثين أبو عبد الله البخاري، والترمذي بعده، وذكره أبو داود ولم يضعّفه فهو حسن عنده، واحتج به الإمام أحمد وأبو عبيد١.
وقد تقدّم شاهده من حديث رافع بن خديج في قصة الذي زرع في أرض ظُهَير٢ فأمر النبي ﷺ أصحاب الأرض أن يأخذوا الزرع ويردوا عليه نفقته، وقال فيه لأصحاب الأرض: «خذوا زرعكم»، فجعله زرعًا لهم، لأنه تولّد من منفعة أرضهم، فتولُّدُه في الأرض كتولُّد الجنين في بطن أمه.
ولو غصب رجل فحلًا فنزا على ناقته أو رَمَكَتِه٣ لكان الولد لصاحب الأنثى، دون صاحب الفحل، لأنه إنما يكون حيوانًا من أجزائها٤، ومنيُّ الأب لما لم يكن له قيمة أهدره الشارع، لأن عسب الفحل لا يقابَل بالعوض. ولما كان البذر مالًا متقوّمًا رُدَّ على صاحبه قيمتُه، ولم يذهب عليه باطلًا، وجعل الزرع لمن يكون في أرضه، كما يكون الولد لمن يكون في بطن أمّه ورَمَكَته وناقته.
فهذا محض القياس لو لم يأت فيه حديث؛ فمِثلُ هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السنة على مثله، وقد تأيد بالقياس الصحيح= مِن حُجَج الشريعة، وبالله التوفيق.
(١) احتجّ به أحمد في «مسائله» برواية أبي داود (ص ٢٧٣)، وأبو عبيد في كتاب «الأموال» (١/ ٤٠٤ - ٤٠٦).
(٢) في الأصل: «ظهر»، وعُلّق عليه في الهامش: «لعله: ظهير»، وهو كذلك.
(٣) الرَّمَكَة: الأنثى من البراذين.
(٤) غير منقوط في الأصل، وفي ط. الفقي: «حرثها»، والمثبت من ط. المعارف.
٩ - باب في المخابرة
٣٩٢/ ٣٢٦٢ - عن أبي الزبير، وسعيد بن مِيناء، عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُحاقلة، والمُزابنة، والمُخابرة، والمُعاوَمة ــ قال عن حماد: وقال أحدهما: والمعاومة، وقال الآخر: بيع السِّنين، ثم اتفقوا: ــ وعن الثُّنْيا، ورخَّصَ في العَرايا.
وأخرجه مسلم وابن ماجه١.
قال ابن القيم ﵀: المخابرة التي نهاهم عنها رسول الله صلى الله عليه [ق ١٨٠] وسلّم هو الذي كانوا يفعلونه من المخابرة الظالمة الجائرة، وهي التي جاءت مفسّرةً في أحاديثهم. ومطلق النهي إنما ينصرف إليها دون ما فَعَله هو وخلفاؤه من بعده وأصحابه، كما بينّاه.
١٠ - باب المُساقاة
٣٩٣/ ٣٢٦٦ - عن ابن عمر: أن النبي ﷺ عاملَ أهل خَيبرَ بِشَطْرِ ما يخرج من ثَمَرٍ أو زرع.
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه٢٣.
(١) أبو داود (٣٤٠٤)، ومسلم (١٥٣٦/ ٨٥)، وابن ماجه (٢٢، ٢٢٦٦) مختصرًا.
(٢) أبو داود (٣٤٠٨)، والبخاري (٢٣٢٨)، ومسلم (١٥٥١)، والترمذي (١٣٨٣)، وابن ماجه (٢٤٦٧).
(٣) ذكر أبو داود ــ وكذا المنذري في «مختصره» ــ في الباب خمسة أحاديث: اثنان عن ابن عمر، وثلاثة عن ابن عباس، كلها في معاملة النبي ﷺ أهل خيبر على نصف ثمرتها؛ فاكتفينا بذكر الأول منها، فإن المجرّد لم يحدّد موضع تعليق ابن القيم، ولعله كان في آخرها تذييلًا عليها بذكر حديث آخر على جواز المساقاة.