الثَّبْت ــ إنما رواه عنه موقوفًا. واخْتُلف فيه على عبيد الله وقفًا ورفعًا.
العلة الثانية: اضطرابُ سنده، كما تقدم.
العلة الثالثة: اضطراب متنه، فإنه في بعض ألفاظه: "إذا كان الماء قلتين". وفي بعضها: "إذا بلغ الماء قَدْر قلّتين أو ثلاث". والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما تقدّم.
قالوا: وأما تصحيح من صَحَّحه من الحُفّاظ، فمُعارَض بتضعيف من ضعَّفه، وممن ضَعّفه حافظُ المغرب أبو عمر بن عبد البر١ وغيره؛ ولهذا أعرض عنه أصحابُ "الصحيح" جملةً.
قالوا: وأما تقدير القُلّتين بقلال هَجَر، فلم يصحّ عن رسول الله ﷺ فيه شيء أصلًا. وأما ما ذكره الشافعيّ فمنقطع. وليس قوله: "بقلال هجر" فيه من كلام النبيّ ﷺ ولا أضافه الراوي إليه، وقد صرَّح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل. فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم، والحدّ الفاصل بين الحلال والحرام، الذي تحتاج إليه جميع الأمة= لا يوجد إلا
(١) في "التمهيد": (١/ ٣٢٩) وأعله بالاضطراب. وضعَّفه تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" قال: "هذا الحديث قد صحح بعضُهم إسنادَ بعضِ طرقه، وهو أيضًا صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنه وإن كان حديثًا مضطرب الإسناد، مختلفًا فيه في بعض ألفاظه ــ وهي علة عند المحدثين، إلا أن يجاب عنها بجواب صحيح ــ فإنه يمكن أن يجمع بين الروايات، ويجاب عن بعضها بطريق أصولي، وينسب إلى التصحيح، ولكن تركته ــ (يعني) في "الإلمام" ــ لأنه لم يثبت عندنا الآن بطريق استقلال ــ يجب الرجوع إليه شرعًا ــ تعيينٌ لمقدار القلتين". نقله ابن الملقن في "البدر المنير": (١/ ٤١٣).
بلفظ شاذٍّ بإسناد منقطع؟ وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله ﷺ!
قالوا: وأما ذِكْرها في حديث المعراج، فمن العجب أن يُحال هذا الحدّ الفاصل على تمثيل النبي ﷺ نَبْق السِّدْرة بها! وما الرابط بين الحُكْمين؟ وأي ملازمة بينهما؟ فلكونها١ معلومةً عندهم معروفةً لهم مَثَّل لهم بها. وهذا من عجيب حَمْل المطلق على المقيد. والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع، فكيف يُحْمَل إطلاق حديث القلتين عليه؟
وكونها معلومةً لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أُطلِقَت القُلّة٢، فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها.
والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم، وهم لها أعظم ملابسةً من غيرها، فالإطلاق إنما ينصرف إليها، كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد البلد دون غيره، هذا هو الظاهر، وإنما مَثَّل النبيّ ﷺ بقلال هجر؛ لأنه هو الواقع في نفس الأمر، كما مَثَّل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعى الجوزة٣، دون النخل وغيره من
(١) ط. الفقي: "ألكونها"، وفي سياق العبارة شيءٌ، ولعل ما أثبته أقرب إلى صحة السياق.
(٢) الأصل والمطبوعات: "العلة" تصحيف، والصواب ما أثبت.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٦٤٢)، والطبراني في "الكبير": (١٧/ ١٢٦ - ١٢٧)، وابن حبان (٦٤٥٠) وغيرهم من حديث عتبة السلمي في حديث طويل في وصف الجنة. قال الهيثمي في "المجمع": (١٠/ ٤١٧): "رواه الطبراني في الأوسط والكبير وأحمد باختصار عنهما، وفيه عامر بن زيد البكالي، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات". وعامر ذكره ابن حبان في "الثقات": (٥/ ١٩١) وخرج له في صحيحه.