تهذيب السنن

أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام. فهنا مقامان:

أحدهما: بيان كونها وسيلة.

والثاني: أن الوسيلة إلى الحرام حرام.

فأما الأول: فيشهد به النقل والعرف والنية والقصد، وحال المتعاقدَين.

فأما النقل: فما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرةً بمائة، ثم اشتراها بخمسين؟ فقال: «دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينهما١ حريرة»٢.

وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بِمُطَيَّن٣، عن ابن عباس: أنه قال: «اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة».

وفي كتاب أبي محمد النَخْشَبي الحافظ٤ عن ابن [ق ١٨١] عباس أنه

  1. (١) في الطبعتين: «بينها» خلافًا للأصل ولمصادر التخريج.
  2. (٢) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٣٦٤) بإسناد صحيح. والمؤلف صادر عن «بيان الدليل» لشيخ الإسلام (ص ٧٦).
  3. (٣) عزاه إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٧٦)، وذكر أنه من رواية ابن سيرين، عن ابن عباس. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٥٢٧) بإسناده عن ابن سيرين قال: نُبِّئتُ أن ابن عباس كان يقول: (بنحوه).
  4. (٤) وإليه عزاه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٧٦)، وصححه المؤلف في «أعلام الموقعين» (٤/ ٤٧).
    وأبو محمد النَخْشَبي هو الحافظ الكبير: عبد العزيز بن محمد بن محمد النخشبي، ونخشب هي نَسَف. صاحَبَ الحافظ جعفر بن محمد المستغفري وأكثر عنه، وسمع جماعةً كثيرة بدمشق وبغداد وخراسان. توفي كهلًا سنة ٤٥٦ أو ٤٥٧، ولم يروِ إلا اليسير. انظر: «السير» (١٨/ ٢٦٧)، و«تاريخ الإسلام» (١٠/ ٧٢).
459

سئل عن العينة يعني بيع الحريرة؟ فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله».

وفي كتاب الحافظ مُطيَّن١ عن أنس أنه سئل عن العينة ــ يعني بيع الحريرة ــ، فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله».

وقول الصحابي: «حرم رسول الله كذا، وأمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا» في حكم المرفوع اتفاقًا من أهل العلم، إلا خلافًا شاذًّا لا يُعتد به، ولا يؤبه له.

وشبهة المخالف: أنه لعله رواه بالمعنى، فظن ما ليس بأمرٍ ولا تحريمٍ، كذلك.

وهذا فاسد جدًّا، فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقَّوها مِن فِيْ رسولِ الله ﷺ فلا يُظَنّ بأحدٍ منهم أن يُقدِم على قوله: «أمر رسول الله ﷺ، أو حرّم، أو فرض» إلا بعد جَزمه بذلك٢، ودلالةِ اللفظ عليه. واحتمالُ خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية، بل دونه. فإنْ رُدَّ قوله «أمر» ونحوه بهذا الاحتمال وجب رَدُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته وجب قبول الآخر.

وأما شهادة العرف بذلك: فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله وعبادُه مِن ذلك، مِن قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدًا يُقصَد به

  1. (١) كما في «بيان الدليل» (ص ٧٥)، وصححه المؤلف في «الأعلام» (٤/ ٤٧).
  2. (٢) الأصل: «ذلك»، والمثبت من (هـ).
460

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي