سئل عن العينة يعني بيع الحريرة؟ فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله».
وفي كتاب الحافظ مُطيَّن١ عن أنس أنه سئل عن العينة ــ يعني بيع الحريرة ــ، فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله».
وقول الصحابي: «حرم رسول الله كذا، وأمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا» في حكم المرفوع اتفاقًا من أهل العلم، إلا خلافًا شاذًّا لا يُعتد به، ولا يؤبه له.
وشبهة المخالف: أنه لعله رواه بالمعنى، فظن ما ليس بأمرٍ ولا تحريمٍ، كذلك.
وهذا فاسد جدًّا، فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقَّوها مِن فِيْ رسولِ الله ﷺ فلا يُظَنّ بأحدٍ منهم أن يُقدِم على قوله: «أمر رسول الله ﷺ، أو حرّم، أو فرض» إلا بعد جَزمه بذلك٢، ودلالةِ اللفظ عليه. واحتمالُ خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية، بل دونه. فإنْ رُدَّ قوله «أمر» ونحوه بهذا الاحتمال وجب رَدُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته وجب قبول الآخر.
وأما شهادة العرف بذلك: فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله وعبادُه مِن ذلك، مِن قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدًا يُقصَد به
(١) كما في «بيان الدليل» (ص ٧٥)، وصححه المؤلف في «الأعلام» (٤/ ٤٧).
(٢) الأصل: «ذلك»، والمثبت من (هـ).
تملُّكها، ولا غرضَ لهما فيها بحال. وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول: مائة بمائة وعشرين، وإدخالُ تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه، بل جِيء به لمعنًى في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمنِ أو أقلَّ جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها مورِدًا للعقد، لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهلُ العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا.
وأما النية والقصد، فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وأن القصد الأول: مائةٌ بمائةٍ وثلاثين١، فضلًا عن علم المتعاقدَين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثم يُحضران تلك السلعة محلِّلًا لما حرم الله ورسوله.
وأما المقام الثاني ــ وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام ــ فثابت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردةً وخنازير لمّا توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحةً.
وسمى أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون مثل ذلك مخادعة، كما تقدم. وقال أيوب السختياني: «يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمرَ على وجهه كان أسهل»٢. والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين، سواء كانت لغويةً أو شرعية، والخداع حرام.
(١) كذا في الأصل و(هـ)، وفي ط. الفقي: «وعشرين» موافقًا لما سبق.
(٢) علَّقه البخاري بنحوه مجزومًا به في «الحيل»، باب ما يُنهى من الخداع في البيوع. ووصله وكيع بن الجرّاح في «مصنّفه» ــ كما في «تغليق التعليق» (٥/ ٢٦٤) ــ عن ابن عيينة، عنه.