بلفظ شاذٍّ بإسناد منقطع؟ وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله ﷺ!
قالوا: وأما ذِكْرها في حديث المعراج، فمن العجب أن يُحال هذا الحدّ الفاصل على تمثيل النبي ﷺ نَبْق السِّدْرة بها! وما الرابط بين الحُكْمين؟ وأي ملازمة بينهما؟ فلكونها١ معلومةً عندهم معروفةً لهم مَثَّل لهم بها. وهذا من عجيب حَمْل المطلق على المقيد. والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع، فكيف يُحْمَل إطلاق حديث القلتين عليه؟
وكونها معلومةً لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أُطلِقَت القُلّة٢، فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها.
والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم، وهم لها أعظم ملابسةً من غيرها، فالإطلاق إنما ينصرف إليها، كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد البلد دون غيره، هذا هو الظاهر، وإنما مَثَّل النبيّ ﷺ بقلال هجر؛ لأنه هو الواقع في نفس الأمر، كما مَثَّل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعى الجوزة٣، دون النخل وغيره من
(١) ط. الفقي: "ألكونها"، وفي سياق العبارة شيءٌ، ولعل ما أثبته أقرب إلى صحة السياق.
(٢) الأصل والمطبوعات: "العلة" تصحيف، والصواب ما أثبت.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٦٤٢)، والطبراني في "الكبير": (١٧/ ١٢٦ - ١٢٧)، وابن حبان (٦٤٥٠) وغيرهم من حديث عتبة السلمي في حديث طويل في وصف الجنة. قال الهيثمي في "المجمع": (١٠/ ٤١٧): "رواه الطبراني في الأوسط والكبير وأحمد باختصار عنهما، وفيه عامر بن زيد البكالي، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات". وعامر ذكره ابن حبان في "الثقات": (٥/ ١٩١) وخرج له في صحيحه.
أشجارهم؛ لأنه هو الواقع، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم. وهكذا التمثيل بقلال هجر؛ لأنه هو الواقع، لا لكونها أعرف القلال عندهم. هذا بحمد الله واضح١.
وأما قولكم: إنها متساوية المقدار. فهذا إنما قاله الخطابي، بناءً على أنّ ذِكْرَهما تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية. وهذا دَورٌ باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة ــ وهو الثقة في نقله ــ ولا أخبر به عن عِيان٢.
ثم إن الواقع بخلافه، فإن القِلال فيها الكبار والصِّغار في العُرْف العام أو الغالب، ولا تُعمل بقالَبٍ واحد. ولهذا قال أكثر السلف: القُلّة: الجَرّة. وقال عاصم بن المنذر ــ أحد رواة الحديث ــ: القلالُ: الخوابي العظام٣.
(١) قال الحافظ في "التلخيص الحبير": (١/ ٣٠): "فإن قيل: أي ملازمة بين هذا التشبيه وبين ذكر القلة في حد الماء؟ فالجواب: أن التقييد بها في حديث المعراج دال على أنها كانت معلومة عندهم بحيث يضرب بها المثل في الكِبَر، كما أن التقييد إذا أطلق إنما ينصرف إلى التقييد المعهود. وقال الأزهري: القلال مختلفة في قرى العرب وقلال هجر أكبرها. وقال الخطابي: قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار .. والقلة لفظ مشترك، وبعد صَرْفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار: جعل الشارع الحد مقدّرًا بعدد، فدلّ على أنه أشار إلى أكبرها؛ لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة. والله أعلم" اهـ.