تهذيب السنن

أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وتركُ الاستثناء عقوبته أن يُعوَّق ويُنَسَّى، لا إهلاكُ ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحِرمان فإنها حرمان كالذنب.

الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾، ورتّب١ العقوبة على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة، فإن لم يكن هو العلةَ التّامة كان جزءًا من العلة.

وعلى التقديرين يحصل المقصود.

وأيضًا فإن النبي ﷺ قال: «الأعمال بالنيات»، والمتوسِّل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرَّم إنما نيته المحرَّم، ونيته أولى به من ظاهر عمله.

وأيضًا: فقد روى ابن بطة٢ وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلُّوا محارمَ الله بِأَدنى الحيل» وإسناده مما يصححه الترمذي.

وأيضًا: فإن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها»٣.

  1. (١) في الأصل وط. الفقي: «وذنب»، تحريف.
  2. (٢) في «إبطال الحيل» (ص ١٠٤ - ١٠٥) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. قال شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٥٤) بعد أن ساق إسناد ابن بطة: «هذا إسناد جيّد يصحح مثله الترمذي وغيره تارةً، ويحسنّه تارة، وأحمد بن محمد بن سلْم المذكور (شيخ ابن بطة) مشهور ثقة ذكره الخطيب في «تاريخه» [(٦/ ٨) ط. دار الغرب] بذلك، وسائر رجال الإسناد أشهر من أن يُحتاج إلى وصفهم». وبنحوه قال ابن كثير في «تفسيره» (الأعراف: ١٦٣).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٢٢٢٣، ٢٢٢٤، ٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨٢، ١٥٨٣، ١٥٨١) من حديث عمر وأبي هريرة وجابر ﵃ ولاءً.
463

و«جملوها»: يعني أذابوها [ق ١٨٢] وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويَحدُث لها اسم آخر وهو الوَدَك، وذلك لا يفيد الحِلَّ، فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدَّل بتبدُّل الاسم.

وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يَزُل تحريم الشحم بتبدل الاسم بصورة الجَمْل والإذابة، وهذا واضح بحمد الله.

وأيضًا: فإن القوم١ لم ينتفعوا بعَين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم مَن وقف مع صُوَر العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها أن لا يحرِّم ذلك، لأن الله تعالى لم ينصَّ على تحريم الثمن، وإنما حرَّم عليهم نفس الشحم. ولمّا لعنهم على استحلالهم الثمن، وإن لم ينص على تحريمه، دل على أن الواجبَ النظرُ إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يُقصد الانتفاعُ بالعَين ولا ببدلها.

ونظير هذا أن يُقال: «لا تقرب مال اليتيم»، فتبيعه وتأكل عِوَضه؛ وأن يقال: «لا تشرب الخمرَ»، فتغير اسمه وتشربه؛ وأن يقال: «لا تَزْنِ بهذه المرأة»، فتعقدَ عليها عقدَ إجارةٍ وتقول: إنما أستوفي منافعها! وأمثال ذلك.

قالوا: ولهذا الأصل ــ وهو تحريم الحِيَل المتضمنة إباحةَ ما حرم الله، أو إسقاطَ ما أوجبه الله عليه ــ أكثر من مائة دليل.

وقد ثبت أن النبي ﷺ لعن المحلِّل والمحلَّل له٢، مع أنه أتى بصورة

  1. (١) ط. الفقي: «اليهود» تغييرًا لما في الأصل.
  2. (٢) أخرجه أحمد (٤٢٨٣)، والترمذي (١١٢٠)، والنسائي (٣٤١٦)، وغيرهم من حديث ابن مسعود ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
    وروي أيضًا من حديث علي، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عباس ﵃، وفي أسانيدها ضعف. انظر: «بيان الدليل» (ص ٣١٨ - ٣٢٢)، و«تفسير ابن كثير» (البقرة: ٢٣٠)، و«التلخيص الحبير» (٣/ ١٧٠ - ١٧١).
464

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي