تهذيب السنن

ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد١ على عقدٍ صورته جائزةُ الكتابة والشهادِة، لا يشهد بمجرد الربا، ولا يكتبه. ولهذا قرنه بالمُحِل والمحلل له، حيث أظهرا صورة النكاح، ولا نكاح؛ كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع، ولا بيع.

وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل؛ فلَعَن المعقود له، والمعينَ له على ذلك العقد، ولعن المُحِلَّ والمحلل له؛ فالمحلل له هو الذي يُعقَد التحليل لأجله، والمُحِلّ هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به؛ فصلوات الله وسلامه٢ على من أوتي جوامع الكلم.

السابع: ما صحَّ عن ابن عباس أنه قال: «إذا استقمت بنقدٍ فبِعتَ بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقدٍ فبعت بنسيئة فلا خير فيه، تلك وَرِق بورق» رواه سعيد وغيره٣.

ومعنى كلامه: أنّك إذا قوَّمت السلعة بنقدٍ ثم بِعتَها بنَساءٍ، كان مقصود المشتري شراء دراهم معجَّلة بدراهم مؤجَّلة، وإذا قوَّمتَها بنقد ثم بعتَها به فلا بأس، فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا.

  1. (١) (هـ): «يشهد ويكتب».
  2. (٢) «وسلامه» من (هـ).
  3. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٢٨) بإسناد صحيح.
472

الثامن: ما رواه ابن بطة١ عن الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» يعني العينة.

وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو صالح للاعتضاد به، ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده.

ويشهد له أيضًا قوله ﷺ: «ليشربنَّ [ق ١٨٤] ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها»٢.

وقوله أيضًا فيما رواه إبراهيم الحربي٣ من حديث أبي ثعلبة عن النبي

  1. (١) عزاه إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٦٧)، وليس في «إبطال الحيل» المطبوع. وأخرجه الخطابي في «غريب الحديث» (١/ ٢١٨) دون تفسيره بالعينة، والحديث معضل.
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٠٠)، وأبو داود (٣٦٨٨)، وابن حبان (٦٧٥٨)، من حديث مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غَنم، عن أبي مالك الأشعري ﵁. في إسناده ضعف لجهالة مالك بن أبي مريم، ولكن للحديث شواهد كثيرة يصح بها، منها ما أخرجه أحمد (١٨٠٧٣) والنسائي (٥٦٥٨) بإسناد صحيح عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ، بنحوه. وانظر: «الفتح» (١٠/ ٥١ - ٥٢)، و«السلسلة الصحيحة» (٨٩، ٩٠، ٤١٤).
  3. (٣) ليس في القدر المطبوع من «غريب الحديث» له، وقد أخرجه الدارمي (٢١٤٦)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٢٣) وفي «مسند الشاميين» (٢/ ٢٩٣)، والخطابي في «الغريب» (١/ ٢٤٩) من طريق مكحول عن أبي ثعلبة ﵁، وزاد في رواية الدارمي والخطابي: «عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة بن الجرَّاح».
    رجاله ثقات، إلا أن مكحولًا كثيرُ الإرسال، ونص المزي في «تهذيب الكمال» (٨/ ٢٦٨): أنه لم يسمع من أبي ثعلبة. ولكنه توبع، تابعه عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة ومعاذ ﵄، ولفظه: «يستحلون الحرير والخمور والفروج». أخرجه إسحاق بن راهويه ــ كما في «المطالب العالية» (٢٠٩٢) ــ، وأبو يعلى (٨٧٣)، والبيهقي (٨/ ١٥٩)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو صدوق سيئ الحفظ، فبمجموع الطريقين يتقوى الحديث، لا سيما ويشهد له حديث أبي عامر ــ أو أبي مالك ــ الأشعري عند البخاري (٥٥٩٠): «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ...».
473

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي