تهذيب السنن

أشجارهم؛ لأنه هو الواقع، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم. وهكذا التمثيل بقلال هجر؛ لأنه هو الواقع، لا لكونها أعرف القلال عندهم. هذا بحمد الله واضح١.

وأما قولكم: إنها متساوية المقدار. فهذا إنما قاله الخطابي، بناءً على أنّ ذِكْرَهما تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية. وهذا دَورٌ باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة ــ وهو الثقة في نقله ــ ولا أخبر به عن عِيان٢.

ثم إن الواقع بخلافه، فإن القِلال فيها الكبار والصِّغار في العُرْف العام أو الغالب، ولا تُعمل بقالَبٍ واحد. ولهذا قال أكثر السلف: القُلّة: الجَرّة. وقال عاصم بن المنذر ــ أحد رواة الحديث ــ: القلالُ: الخوابي العظام٣.

  1. (١) قال الحافظ في "التلخيص الحبير": (١/ ٣٠): "فإن قيل: أي ملازمة بين هذا التشبيه وبين ذكر القلة في حد الماء؟ فالجواب: أن التقييد بها في حديث المعراج دال على أنها كانت معلومة عندهم بحيث يضرب بها المثل في الكِبَر، كما أن التقييد إذا أطلق إنما ينصرف إلى التقييد المعهود. وقال الأزهري: القلال مختلفة في قرى العرب وقلال هجر أكبرها. وقال الخطابي: قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار .. والقلة لفظ مشترك، وبعد صَرْفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار: جعل الشارع الحد مقدّرًا بعدد، فدلّ على أنه أشار إلى أكبرها؛ لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة. والله أعلم" اهـ.
  2. (٢) "عن" سقطت من ط. الفقي، وفي الأصل: "عنان".
  3. (٣) أخرجه الدارقطني: (٣١)، والبيهقي: (١/ ٢٦٤).
60

وأما تقديرها بِقِرَب الحجاز، فلا ننازعكم فيه، ولكن الواقع أنه قَدّر قُلَّةً من القلال بقِرْبتين من القِرَب فرآها تَسَعُهما، فهل يلزم من هذا أنَّ كلَّ قُلَّة من قلال هَجَر تأخذ كلّ١ قِربتين من قرب الحجاز؟ وأن قِرَب الحجاز كلّها على قَدْر واحد، ليس فيها صغار وكبار؟

ومَن جعلها متساويةً فإنما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول، فيا سبحان الله! هذا إنما يتمّ أن لو كان التحديدُ مستندًا إلى صاحب الشرع، فأمّا والتقدير بقلال هَجَر وقِرَب الحجاز تحديدُ يحيى بن عقيل وابن جُريج، فكان ماذا؟!

وأما تقرير كون المفهوم حجَّة، فلا تنفعكم مساعدتنا عليه، إذ المساعدة على مقدّمة من مقدمات الدليل لا تستلزم المساعدة على الدليل.

وأما تقديمكم له على العموم فممنوع، وهي مسألة نزاع بين الأصوليين والفقهاء، وفيها قولان معروفان٢. ومنشأ النزاع: تعارض خصوص المفهوم وعموم النّطق٣، فالخصوص يقتضي التقديم، والنّطق يقتضي الترجيح. فإن رجّحتم المفهومَ بخصوصه، رجّح منازعوكم العموم بمنطوقه. ثم الترجيح معهم هاهنا للعموم من وجوه:

أحدها: أن حديثه أصح.

الثاني: أنه موافق للقياس الصحيح.

  1. (١) سقطت من ط. الفقي.
  2. (٢) انظر "المسودة" (ص ١٤٢ - ١٤٤) و"إرشاد الفحول": (٢/ ٦٩٤ - ٦٩٦).
  3. (٣) ط. الفقي: "المنطوق" في الموضعين، خلافًا للأصل.
61

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي