تهذيب السنن

الثامن: ما رواه ابن بطة١ عن الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» يعني العينة.

وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو صالح للاعتضاد به، ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده.

ويشهد له أيضًا قوله ﷺ: «ليشربنَّ [ق ١٨٤] ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها»٢.

وقوله أيضًا فيما رواه إبراهيم الحربي٣ من حديث أبي ثعلبة عن النبي

  1. (١) عزاه إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٦٧)، وليس في «إبطال الحيل» المطبوع. وأخرجه الخطابي في «غريب الحديث» (١/ ٢١٨) دون تفسيره بالعينة، والحديث معضل.
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٠٠)، وأبو داود (٣٦٨٨)، وابن حبان (٦٧٥٨)، من حديث مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غَنم، عن أبي مالك الأشعري ﵁. في إسناده ضعف لجهالة مالك بن أبي مريم، ولكن للحديث شواهد كثيرة يصح بها، منها ما أخرجه أحمد (١٨٠٧٣) والنسائي (٥٦٥٨) بإسناد صحيح عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ، بنحوه. وانظر: «الفتح» (١٠/ ٥١ - ٥٢)، و«السلسلة الصحيحة» (٨٩، ٩٠، ٤١٤).
  3. (٣) ليس في القدر المطبوع من «غريب الحديث» له، وقد أخرجه الدارمي (٢١٤٦)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٢٣) وفي «مسند الشاميين» (٢/ ٢٩٣)، والخطابي في «الغريب» (١/ ٢٤٩) من طريق مكحول عن أبي ثعلبة ﵁، وزاد في رواية الدارمي والخطابي: «عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة بن الجرَّاح».
    رجاله ثقات، إلا أن مكحولًا كثيرُ الإرسال، ونص المزي في «تهذيب الكمال» (٨/ ٢٦٨): أنه لم يسمع من أبي ثعلبة. ولكنه توبع، تابعه عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة ومعاذ ﵄، ولفظه: «يستحلون الحرير والخمور والفروج». أخرجه إسحاق بن راهويه ــ كما في «المطالب العالية» (٢٠٩٢) ــ، وأبو يعلى (٨٧٣)، والبيهقي (٨/ ١٥٩)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو صدوق سيئ الحفظ، فبمجموع الطريقين يتقوى الحديث، لا سيما ويشهد له حديث أبي عامر ــ أو أبي مالك ــ الأشعري عند البخاري (٥٥٩٠): «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ...».
473

ﷺ: «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم مُلك ورحمة، ثم مُلك وجبرية، ثم ملك عَضُوض يُستَحَلّ فيه الحِرُ والحرير». و«الحِرُ» بكسر الحاء وتخفيف الراء هو: الفرج.

فهذا إخبار عن استحلال المحارم، ولكنه بتغيير أسمائها، وإظهارِ صُوَرٍ تُجعَل وسيلةً إلى استباحتها، وهي الربا والخمر والزنا، فيسمَّى كل منها بغير اسمها، ويُستباح بالاسم الذي سمي به، وقد وقعت الثلاثة.

وفي قول عائشة: «بئسما شريتِ، وبئسما اشتريت» دليل على بطلان العقدَين معًا، وهذا هو الصحيح من المذهب، لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه.

وفيه قول آخر في المذهب: إن العقد الأول صحيح، لأنه تم بأركانه وشروطه، فطَرَيان الثاني عليه لا يبطله. وهذا ضعيف، فإنه لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرَّم، فكيف يُحكَم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب.

فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟

قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب١ على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة، لأن هذا يُتخذ وسيلةً إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي

  1. (١) كما في «المغني» (٦/ ٢٦٣).
474

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي