تهذيب السنن

عكسُها صورةً.

وفي الصورتين قد ترتّب في الذمة١ دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا، لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما.

وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلةً ولا مواطأةً بل وقع اتفاقًا، وفرَّقَ بينها وبين الصورة الأولى بفرقين:

أحدهما: أن النص ورد فيها، فيبقى ما عداها على أصل الجواز.

والثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه.

والفرقان ضعيفان، أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تَتقيَّد به، بل النصوص مطلقة على تحريم العينة. والعِينة فِعْلَة من العَين وهو النقد، قال الشاعر٢:

أنَدَّانُ أم نَعْتَانُ، أم ينبري لنافتًى مثلُ نصلِ السيف مِيزَتْ٣ مضاربُه
  1. (١) الأصل: «ذمته»، والمثبت من (هـ).
  2. (٢) البيت بهذه الرواية بلا نسبة في «تهذيب اللغة» (١٤/ ١٨٣)، ومنه في «اللسان» (دين). وهو برواية أخرى مع بيت آخر قبله في «مقاييس اللغة» (٤/ ٢٠٤) بلا نسبة، وفي «أساس البلاغة» (عين) منسوبًا إلى ابن مُقبل:
    فكيف لنا بالشرب إن لم تكن لنا ... دراهمُ عند الحانَويِّ ولا نقدُ
    أندَّانُ أم نعتانُ أم ينبري لنا ... فتًى مثلُ نصل السيف أبرزه الغِمْدُ
    وأنشدهما ابن برِّي (اللسان ــ عون) لذي الرُّمَّة برواية «شيمته الحمد» مكان «أبرزه الغمد». وهما لذي الرمة أيضًا في «قطب السرور» (ص ٦٣٧) مع بيت ثالث.
    وقوله: «أندَّان أم نعتانُ» أي أنتداين أم نأخذ العِينَة.
  3. (٣) كذا في الأصل، والرواية: «هُزَّت»، ولعلّ المؤلف صادر عن «المغني» (٦/ ٢٦٢).
475

قال الجوزجاني١: أنا أظن أن العينة إنما اشتُقَّت من حاجة الرجل إلى العَين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعَين الذي احتاج إليه، وليست به إلى السلعة حاجة.

وأما الفرق الثاني فكذلك، لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق بين الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه.

فإن قيل: فما تقولون إذا لم تَعُد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عِينة؟

قيل: هذه مسألة التَوَرُّق، لأن المقصود منها الوَرِق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود٢ على أنها من العِينة، وأطلق عليها اسمها.

وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: «التورق آخِيَّة الربا»٣، ورخص فيها إياس بن معاوية٤.

وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنه

  1. (١) كما في «بيان الدليل» (ص ٧٤).
  2. (٢) (ص ٢٦٣).
  3. (٣) ذكره شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٨٢)، ولم أجده مسندًا إليه بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن أبي شيبة (٢٠٥٢٨) بإسناد صحيح أنه كتب إلى عبد الحميد ــ وهو ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، والِيه على الكوفة ــ: «انْهَ مَن قِبَلك عن العِينة فإنها أخت الربا». «آخية الربا» فسّره شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٣١) فقال: «أي: أصل الربا». والذي يظهر من رواية ابن أبي شيبة أن ضبطَه: «أُخيَّة الربا» تصغير الأخت.
  4. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٥٢٥).
476

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي