وقد روى أبو داود١ عن علي: أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضطر.
وفي «المسند»٢ عن علي: «سيأتي على الناس زمان عضوض يَعَضُّ المُوسِر٣ على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾[البقرة: ٢٣٧] ويبايع المضطَرّون، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر» وذكر الحديث.
فأحمد ﵀ أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطَر إلى نفقة، يَضِنُّ عليه الموسِرُ بالقرض، فيُضطَرّ إلى أن يشتري منه سلعةً ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعُها كانت عِينةً، وإن باعها من غيره فهي التورق. ومقصوده في الموضعين: الثمن، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجَّل مقابِلٌ لثمنٍ حالٍّ أنقصَ منه، ولا معنى للربا إلا هذا، لكنه ربا بسُلَّمٍ لم يحصل له صعوده إلا بمشقة، ولو لم يَصعَده٤ كان ربا بسهولة.
وللعينة صورة رابعة، وهي أخف٥ صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئةٍ، ونصَّ أحمد على كراهة ذلك فقال٦: العِينة أن
(١) رقم (٣٣٨٢) من حديث شيخ من بني تميم، عن علي ﵁. فالإسناد ضعيف لجهالة الشيخ التميمي.
(٢) رقم (٩٣٧)، وإسناده كسابقه.
(٣) في الأصل وط. الفقي: «المؤمن»، تصحيف.
(٤) ط. الفقي: «مقصوده ... لم يقصده»، تحريف.
(٥) ط. الفقي: «أخت»، تحريف.
(٦) كما في «مسائله» رواية الكوسج (٢/ ١١)، وبنحوه في «مسائله» برواية صالح (٢/ ٢٥٩).
يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس.
وقال أيضًا١: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كَرِه ذلك لمضارَعَته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا.
وعلله شيخُنا ﵁٢ بأنه يدخل في بيع المضطر، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان رِبحُه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار.
وللعينة صورة خامسة، وهي أقبحُ صورها وأشدُّها تحريمًا، وهي أن المترابيين يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع، فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حالٍّ ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي٣ بثمن مؤَجَّل، وهو ما اتفقا [ق ١٨٥] عليه، ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئًا. وهذه تسمى «الثُّلاثِية» لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثُّنائية.
وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محلِّلًا يزعمان أنه يحلِّل لهما ما حرم الله من الربا، وهو كمحلل النكاح؛ فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج. والله
(١) كما في «المغني» (٦/ ٢٦٢). وفيه قول ابن عقيل الآتي.
(٢) انظر: «بيان الدليل» (ص ٨١ - ٨٢).
(٣) في الأصل والطبعتين: «للمربي»، خطأ؛ فقد سبق أن المحتاج قد باعه له، والآن المربي هو البائع. ثم وجدته على الصواب في (هـ) ولله الحمد.