وأما تقديرها بِقِرَب الحجاز، فلا ننازعكم فيه، ولكن الواقع أنه قَدّر قُلَّةً من القلال بقِرْبتين من القِرَب فرآها تَسَعُهما، فهل يلزم من هذا أنَّ كلَّ قُلَّة من قلال هَجَر تأخذ كلّ١ قِربتين من قرب الحجاز؟ وأن قِرَب الحجاز كلّها على قَدْر واحد، ليس فيها صغار وكبار؟
ومَن جعلها متساويةً فإنما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول، فيا سبحان الله! هذا إنما يتمّ أن لو كان التحديدُ مستندًا إلى صاحب الشرع، فأمّا والتقدير بقلال هَجَر وقِرَب الحجاز تحديدُ يحيى بن عقيل وابن جُريج، فكان ماذا؟!
وأما تقرير كون المفهوم حجَّة، فلا تنفعكم مساعدتنا عليه، إذ المساعدة على مقدّمة من مقدمات الدليل لا تستلزم المساعدة على الدليل.
وأما تقديمكم له على العموم فممنوع، وهي مسألة نزاع بين الأصوليين والفقهاء، وفيها قولان معروفان٢. ومنشأ النزاع: تعارض خصوص المفهوم وعموم النّطق٣، فالخصوص يقتضي التقديم، والنّطق يقتضي الترجيح. فإن رجّحتم المفهومَ بخصوصه، رجّح منازعوكم العموم بمنطوقه. ثم الترجيح معهم هاهنا للعموم من وجوه:
(٣) ط. الفقي: "المنطوق" في الموضعين، خلافًا للأصل.
الثالث: أنه موافقٌ لعمل أهل المدينة قديمًا وحديثًا، فإنه لا يُعرف عن أحدٍ منهم أنه حدّ١ الماء بقُلَّتين. وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقليّ٢ خلفًا عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاعَ والمُدَّ والأحباس٣ وتركَ أخذِ الزكاة من الخضروات. وهذا هو الصحيح المحتجّ به من إجماعهم، دون ما طريقُه الاجتهاد والاستدلال، فإنّهم وغيرهم فيه سواء، وربما تَرَجّح غيرُهم عليهم، وتَرجَّحوا هم على غيرهم. فتأمل هذا الموضع.
فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمَعَنا من الترجيح ما يقابله، وهو أن المفهوم هنا قد تأيَّد بحديث النهي عن البول في الماء الرَّاكد٤، والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلبُ، والأمرُ بغسل اليد من نوم الليل٥. فإنّ هذه الأحاديث تدلّ على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغيَّر، ولا سبيل إلى تأثر كلِّ ماءٍ بها، بل لا بدّ من تقديره، فتقديره بالقُلّتين أولى من تقديره بغيرهما؛ لأنّ التقديرَ [ق ١٤] بالحركة والأذرع المعينة وما يمكن نَزْحُه وما لا يمكن= تحكّمات٦ باطلة لا أصل لها، وهي غير منضبطة في نفسها، فرُبَّ حركةٍ تُحرِّك غديرًا عظيمًا من الماء، وأخرى تحرِّك مقدارًا يسيرًا منه،
(١) ط. الفقي: "حدد" خلافًا للأصل.
(٢) في الأصل والمطبوعات: "عملًا نقليًّا" والوجه ما أثبت.