تهذيب السنن

أحدهما: في الاستدلال على جوازه.

والثاني: في الجواب عما استدللتم به على المنع.

فأما الأول، فنقول: قال ابن المنذر١: ثبت عن ابن عباس أنه قال: «إذا أسلفت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخُذ عَرَضًا أنقص منه، ولا تربح مرتين». رواه سعيد٢.

فهذا قول صحابي، وهو حجة ما لم يخالَف.

قالوا: وأيضًا فلو امتنعت المعاوضة عليه، لكان ذلك لأجل كونه مبيعًا لم يتصل به القبض، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال: «لا بأس أن تأخذَها بسِعر يومها ما لم تتفرَّقا وبينكما شيء»٣. فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه بجنس آخر٤، فما

  1. (١) في «الإشراف» (٦/ ١١٤).
  2. (٢) في الأصل وط. الفقي: «شعبة»، تحريف. وقد سبق في تخريجه قريبًا أن سعيد بن منصور رواه.
  3. (٣) أخرجه أحمد (٤٨٨٣، ٥٦٢٨، ٦٢٣٩)، وأبو داود (٣٣٥٤)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٤٥٨٢)، وابن حبان (٤٩٢٠)، والحاكم (٢/ ٤٤)، كلهم من طريق سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر به.
    والحديث أعلّه الأئمة النقاد بالوقف، فإن سماكًا قد تفردّ برفعه وهو سيئ الحفظ، وغيره يرويه موقوفًا على ابن عمر، وهو الصواب. انظر: «العلل» للدارقطني (٣٠٧٢)، و«معرفة السنن» (٨/ ١١٣ - ١١٤).
  4. (٤) «بجنس آخر» من (هـ)، وفي الأصل بياض قدر كلمة أو كلمتين، وكتب في الهامش: «بياض في الأصل».
486

الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السَّلَم بغيره؟

قالوا: وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره، وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في ذمته، فقد نص عليه في مواضع؛ حكاه شيخنا أبو العباس ابن تيمية١ عنه.

والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم وقالوا: لأنه دَين فلا يجوز بيعه كدين السَّلَم.

وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه.

والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه، فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه، ومالك يُجوِّز بيعه من غير المستسلف.

والذين فرَّقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر، والقياسُ التسوية بينهما.

وأما المقام الثاني، فقالوا: أما الحديث فالجواب عنه مِن وجهين:

أحدهما: ضعفه كما تقدم.

والثاني: أن المراد به أن لا يصرف المُسلَم فيه إلى سَلَم آخر أو يبيعه بمعيَّن مؤجل، لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين، وهو منهي عنه، وأما بيعه بعَرَضٍ٢ حاضر من غير ربح فلا محذور فيه، كما أذن فيه النبي ﷺ في

  1. (١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٥٠٦).
  2. (٢) في الطبعتين: «بعوض»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل (هـ).
487

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي