تهذيب السنن

الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السَّلَم بغيره؟

قالوا: وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره، وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في ذمته، فقد نص عليه في مواضع؛ حكاه شيخنا أبو العباس ابن تيمية١ عنه.

والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم وقالوا: لأنه دَين فلا يجوز بيعه كدين السَّلَم.

وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه.

والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه، فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه، ومالك يُجوِّز بيعه من غير المستسلف.

والذين فرَّقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر، والقياسُ التسوية بينهما.

وأما المقام الثاني، فقالوا: أما الحديث فالجواب عنه مِن وجهين:

أحدهما: ضعفه كما تقدم.

والثاني: أن المراد به أن لا يصرف المُسلَم فيه إلى سَلَم آخر أو يبيعه بمعيَّن مؤجل، لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين، وهو منهي عنه، وأما بيعه بعَرَضٍ٢ حاضر من غير ربح فلا محذور فيه، كما أذن فيه النبي ﷺ في

  1. (١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٥٠٦).
  2. (٢) في الطبعتين: «بعوض»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل (هـ).
487

حديث ابن عمر. فالذي نهى عنه من ذلك هو من جنس ما نهى عنه من بيع الكالئ بالكالئ١، والذي يجوز منه هو من جنس ما أَذِن فيه من بيع النقد لمن هو في ذمته بغيره من غير ربح.

وأما نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه، فهذا إنما هو في الطعام٢ المعين أو المتعلقِ به حقُّ التوفية من كيلٍ أو وزنٍ، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه.

وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملك له، فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة، فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضًا أو غيرَه أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفي دينَه لأن بدله يقوم مقامه، ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال، والبيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه. وهنا لم يَملِك شيئًا، بل سقط الدين من ذمته.

ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يُقَل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع. ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يُسمَّى بيعًا، وفي الدَّين٣ إذا وفاها

  1. (١) أي بيع الدين بالدين، وقد جاء ذلك في حديث ضعيف. أخرجه عبد الرزاق (١٤٤٤٠)، والدارقطني (٣٠٦٠، ٣٠٦١)، والبيهقي (٥/ ٢٩٠). وقال الإمام أحمد وابن المنذر: ليس في هذا حديث يصح، إنما إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين. انظر: «البدر المنير» (٦/ ٥٦٧ - ٥٧٠)، و«الأوسط» (١٠/ ١١٨ - ١١٩).
  2. (٢) «الطعام» من (هـ).
  3. (٣) (هـ): «الديون».
488

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي