تهذيب السنن

قالوا: ولأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم تَجُز المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته كالمُسْلَم فيه.

قال المجوزون: أما استدلالكم بالحديث، فقد تقدم ضعفه. ولو صح لم يتناول محل النزاع، لأنه لم يصرف المسلم فيه في غيره، وإنما عاوض عن دين السلم بغيره، فأين المسلم فيه من رأس مال السلم؟

وأما قياسكم المنع على نفس المسلم فيه، فالكلام فيه أيضًا، وقد تقدم: أنه لا نص يقتضي المنع منه، ولا إجماع ولا قياس.

ثم لو قدر تسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه ورأس مال السلم واضحًا، فإن المسلم فيه مضمون بنفس العقد، والثمن إنما يُضمَن بعد فسخ العقد فكيف يُلْحَق أحدهما بالآخر؟ فثبت أنه لا نص في المنع، ولا إجماع ولا قياس.

فإذا عُرِف هذا فحكم رأس المال بعد الفسخ حكم سائر الديون، لا يجوز أن تُجعل سلَمًا في شيء آخر، لوجهين:

أحدهما: أنه بيع دين بدين.

والثاني: أنه من ضمان المسلم إليه، فإذا جعله سلمًا في شيء آخر ربح فيه، وذلك ربح ما لم يضمن، ويجوز فيه ما يجوز في دين القرض وأثمان المبيعات إذا فُسِخت١، فإذا أخذ فيه أحد النقدين عن الآخر وجب قبض العوض في المجلس، لأنه صرف بسعر يومه، لأنه غير مضمون عليه.

  1. (١) غير محرر في الأصل، وفي الطبعتين: «قسمت»، والصواب ما أثبت.
494

وإن عاوض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون من غير جنسه، كقُطن بحرير أو كتّان، وجب قبض عوضه في مجلس التعويض. وإن بيع بغير مكيل أو موزون، كالعقار والحيوان، فهل يُشترط القبض في مجلس التعويض؟ فيه وجهان، أصحهما: لا يشترط، وهو منصوص أحمد. والثاني: يشترط. ومأخذ القولين: أن تأخير قبض العوض يشبه بيع الدين بالدين، فيمنع منه؛ ومأخذ الجواز ــ وهو الصحيح ــ أن النساء بين ما لا يجمعهما علة الربا كالحيوان بالموزون جائز، للاتفاق على جواز سَلَم النقدين في ذلك، والله أعلم.

ونظير هذه المسألة: إذا باعه ما يجري فيه الربا، كالحنطة مثلا بثمن مؤجل، فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلًا آخر من غير الجنس، مما يمتنع ربا النساء بينهما، فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان١:

أحدهما: المنع. وهو المأثور عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاوس. وهو مذهب مالك وإسحاق٢.

والثاني: الجواز. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن المنذر٣. وبه قال جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين. وهو اختيار صاحب «المغني» وشيخنا٤.

  1. (١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، والمؤلف صادر عنه.
  2. (٢) انظر: «المدونة» (٩/ ٣٥، ٩٩)، و«مسائل أحمد وإسحاق» برواية الكوسج (٢/ ١٣١ - ١٣٢).
  3. (٣) انظر: «الأم» (٤/ ١٥٩)، و«الأصل» (٢/ ٥٠٦)، و«الإشراف» (٦/ ١٣٣).
  4. (٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٠٠ - ٣٠١).
495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي