تهذيب السنن

وإن عاوض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون من غير جنسه، كقُطن بحرير أو كتّان، وجب قبض عوضه في مجلس التعويض. وإن بيع بغير مكيل أو موزون، كالعقار والحيوان، فهل يُشترط القبض في مجلس التعويض؟ فيه وجهان، أصحهما: لا يشترط، وهو منصوص أحمد. والثاني: يشترط. ومأخذ القولين: أن تأخير قبض العوض يشبه بيع الدين بالدين، فيمنع منه؛ ومأخذ الجواز ــ وهو الصحيح ــ أن النساء بين ما لا يجمعهما علة الربا كالحيوان بالموزون جائز، للاتفاق على جواز سَلَم النقدين في ذلك، والله أعلم.

ونظير هذه المسألة: إذا باعه ما يجري فيه الربا، كالحنطة مثلا بثمن مؤجل، فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلًا آخر من غير الجنس، مما يمتنع ربا النساء بينهما، فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان١:

أحدهما: المنع. وهو المأثور عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاوس. وهو مذهب مالك وإسحاق٢.

والثاني: الجواز. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن المنذر٣. وبه قال جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين. وهو اختيار صاحب «المغني» وشيخنا٤.

  1. (١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، والمؤلف صادر عنه.
  2. (٢) انظر: «المدونة» (٩/ ٣٥، ٩٩)، و«مسائل أحمد وإسحاق» برواية الكوسج (٢/ ١٣١ - ١٣٢).
  3. (٣) انظر: «الأم» (٤/ ١٥٩)، و«الأصل» (٢/ ٥٠٦)، و«الإشراف» (٦/ ١٣٣).
  4. (٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٠٠ - ٣٠١).
495

والأول اختيار عامة الأصحاب. والصحيح: الجواز، لما تقدم.

قال عبد الله بن زيد: قدمت على علي بن حسين فقلت له: إني أجُذُّ نخلي، وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيَقْدَمون بالحنطة وقد حلّ الأجل فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم وأُقاصّهم؟ قال: «لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك على رأي»١، يعني إذا لم يكن حيلة مقصودة. فهذا شراء للطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول، فصحَّ لأنه لا يتضمن ربا نسيئةٍ ولا تفاضل.

والذين يمنعون ذلك يجوِّزون أن يشتري منه الطعام بدراهم، ويُسلِّمها إليه، ثم يأخذها منه وفاء، أو يشتريه٢ منه بدراهم في ذمته، ثم يُقاصُّه بها. ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم التي له في ذمته أيسر من هذا وأقل كلفة، والله أعلم.

١٥ - باب في بيع الطعام قبل أن يُستوفَى

٤٠١/ ٣٣٤٦ - عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعامًا فلا يَبِعْه حتى يستوفيه».

وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه٣.

٤٠٢/ ٣٣٤٧ - وعنه أنه قال: كُنَّا في زمن رسول الله ﷺ نبتاع الطعام، فَيَبعَثُ علينا من يأمُرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن

  1. (١) ذكره في «المغني» (٦/ ٢٦٤)، ولم أقف عليه مسندًا.
  2. (٢) ط. الفقي: «نسيئة»، خطأ.
  3. (٣) أبو داود (٣٤٩٢)، والبخاري (٢١٢٦)، ومسلم (١٥٢٦/ ٣٢)، والنسائي (٤٥٩٥)، وابن ماجه (٢٢٢٦)، من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر.
496

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي