وحُكي ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعًا١. وأما ما حكي عن عثمان البتّي من جوازه، فإن صح لم يُعتدَّ به٢.
فأما غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة:
أحدها: أنه يجوز بيعه قبل قبضه، مكيلًا كان أو موزونًا. وهذا مشهور مذهب مالك، واختاره أبو ثور وابن المنذر٣.
والثاني: أنه يجوز بيع الدُّور والأرض قبل قبضها، وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف٤.
والثالث: ما كان مكيلًا أو موزونًا فلا يصح بيعه قبل القبض، سواء أكان مطعومًا أم لم يكن. وهذا يروى عن عثمان ﵁٥. وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق٦. وهو المشهور
(٥) أخرجه عنه ابن أبي شيبة (٢٢٩١٩)، وابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ١٤٩).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٩٢٠، ٢٢٩٢١، ٢٢٩٢٦) عن ابن المسيب والحكم وحماد بن أبي سليمان. وقول إسحاق في «مسائله» برواية الكوسج (٢/ ٦، ٢١، ٢٢، ٧٧). وانظر: «الإشراف» (٦/ ٥١)، و«الأوسط» (١٠/ ١٤٩)، و«التمهيد» (١٣/ ٣٣٠).
من مذهب أحمد بن حنبل١.
والرابع: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال. وهذا مذهب ابن عباس٢ والشافعي٣ ومحمد بن الحسن٤. وهو إحدى الروايات عن أحمد. وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره.
وقد اختلف أصحاب أحمد في منعه من بيع المكيل والموزون قبل قبضه على ثلاثة طرق:
أحدها: أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن، كرَطْلٍ من زُبْرَةٍ، أو قفيز من صُبْرَة. وهذه طريقة القاضي، وصاحب «المحرر» وغيرهما. وعلى هذا: فمنعوا بيع ما تعلق به حقُّ توفية وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، كمن اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع أو قطيعًا كلُّ شاةٍ بدرهم.
والطريقة الثانية: أن المراد به ما كان مكيل الجنس وموزونَه، وإن اشتراه جُزافًا كالصُّبْرة، وزُبْرة الحديد، ونحوهما.
والطريقة الثالثة: أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب نصَّ عليه في رواية مُهنّا، فقال: كل شيء يباع قبل قبضه، إلا ما كان يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب.
(١) نصّ عليه الإمام في «مسائله» برواية أبي داود (ص ٢٧٥). وانظر: «الإنصاف» (١١/ ٤٩٣ وما بعده).
(٢) كما سبق قوله في أحاديث الباب: «وأحسب كل شيء مثل الطعام».
(٣) «والشافعي» ساقط من ط. الفقي. وقوله في «الأم» (٤/ ١٤٤).