تهذيب السنن

الحكم.

قيل: عن هذا جوابان:

أحدهما: أن ثبوت المنع في الطعام بالنص، وفي غيره إما بقياس النظير، كما صح عن ابن عباس أنه قال: «ولا أحسب كلَّ شيء إلا بمنزلة الطعام»؛ أو بقياس الأولى، لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى. وهذا مسلك الشافعي ومن تبعه.

الجواب الثاني: أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هو مستفاد من مفهوم اللقب، وهو لو تجرد لم يكن حجةً، فكيف وقد عارضه عمومُ الأحاديث المصرِّحة بالمنع مطلقًا، والقياسُ المذكور؟ حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلًا على المنع، والقياس في هذا يمكن تقديره من طريقين:

أحدهما: قياس بإبداء الجامع، ثم للمتكلمين فيه طريقان، أحدهما: أنه قياس تسوية، والثاني: أنه قياس أولويّة.

والثاني من الطريقين الأولين: قياس بإلغاء الفارق، فإنه لا فارق بين الطعام وغيره في ذلك، إلا ما لا يقتضي الحكم وجودًا ولا عدمًا، فافتراق المجلس فيها عديم التأثير. يوضحه: أن المسالك التي اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه موجودةٌ بعينها في غيره، كما سيأتي بيانه.

قال المخصِّصون للمنع: تعليق النهي عن ذلك بالطعام يدل على أنه هو

503

العلة، لأن الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخصُّ عديمَ التأثير، فكيف يكون المنع عامًّا، فيعلِّقه الشارع بالخاص؟

قال المُعمِّمون: لا تنافي بين الأمرين، [ق ١٩٠] فإن تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فيثبت التعارض، ويحتمل أن يكون لغرضٍ دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به؛ إما لحاجة المخاطَب، وإمّا لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فخرج ذِكْرُ الطعام مخرَجَ الغالب فلا مفهوم له. وهذا هو الأظهر، فإن غالب تجاراتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملًا، فقد تعارض الاحتمالان، والأحاديث العامة لا معارض لها فتعيَّن القول بموجَبها.

قال المخصصون: لا يمكنكم القول بعموم المنع، فإنه قد ثبت بالسنة جوازُ التصرف في غير الطعام قبل قبضه بالبيع، وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه والمصارفة عليه.

قال المعممون: الجواب من وجهين.

أحدهما: الفرق بين الثمن في الذمة والمبيع المتعيّن من وجوه ثلاثة:

أحدها: أن الثمن مستقرّ في الذمة لا يتصور تلفه، والمبيع١ ليس كذلك، نعم لو كان الثمن معيّنًا لكان بمنزلة المبيع المتعين.

  1. (١) في الأصل و(هـ) والطبعتين: «والبيع»، ولعل الصواب ما أثبت.
504

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي