تهذيب السنن

العلة، لأن الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخصُّ عديمَ التأثير، فكيف يكون المنع عامًّا، فيعلِّقه الشارع بالخاص؟

قال المُعمِّمون: لا تنافي بين الأمرين، [ق ١٩٠] فإن تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فيثبت التعارض، ويحتمل أن يكون لغرضٍ دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به؛ إما لحاجة المخاطَب، وإمّا لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فخرج ذِكْرُ الطعام مخرَجَ الغالب فلا مفهوم له. وهذا هو الأظهر، فإن غالب تجاراتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملًا، فقد تعارض الاحتمالان، والأحاديث العامة لا معارض لها فتعيَّن القول بموجَبها.

قال المخصصون: لا يمكنكم القول بعموم المنع، فإنه قد ثبت بالسنة جوازُ التصرف في غير الطعام قبل قبضه بالبيع، وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه والمصارفة عليه.

قال المعممون: الجواب من وجهين.

أحدهما: الفرق بين الثمن في الذمة والمبيع المتعيّن من وجوه ثلاثة:

أحدها: أن الثمن مستقرّ في الذمة لا يتصور تلفه، والمبيع١ ليس كذلك، نعم لو كان الثمن معيّنًا لكان بمنزلة المبيع المتعين.

  1. (١) في الأصل و(هـ) والطبعتين: «والبيع»، ولعل الصواب ما أثبت.
504

الثاني: أن بيع الثمن هاهنا إنما هو ممن في ذمته ليس بيعًا١ لغيره، فلو باع الثمن قبل القبض لغير من هو في ذمته لم يَجُزْ في أحد قولي الشافعي، وهو الذي رجحه الرافعي٢ وغيره من أصحابه.

الثالث: أن العلل التي لأجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتفية في الثمن بأسرها، فإن المآخذ ثلاثة:

إما عدم استقرار المبيع، وكونه عرضةً للتلف وانفساخ العقد، وهذه العلة مأمونة بكون الثمن في الذمة.

وإما أن عُلَقَ البائع لم تنقطع عن المبيع، وهذه العلة أيضًا منتفية هاهنا.

وإما أنه عرضةٌ للربح وهو مضمون على البائع، فيؤدي إلى ربح ما لم يضمن. وهذه العلة أيضًا منتفية في الثمن، فإنه إنما يجوز له الاستبدال به بسعر يومه، كما شرطه النبيُّ ﷺ لئلا يربح فيما لم يضمن. ولا يمكن أن يقال مثل هذا في السِّلَع، لأنه إنما اشتراها للربح، فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن لم يكن في الشراء فائدة، بخلاف الأثمان فإنها لم توضع للربح، وإنما وضعت رؤوسًا للأموال، لا مَورِدًا للكسب والتجارة.

قال المخصِّصون: قد سلمتم نفوذ العتق قبل القبض، وهو تصرُّف يزيل الملك، فما الفرق بينه وبين البيع الناقل للملك؟

قال المعمِّمُون: الفرق بينهما أن الشارع جعل للعتق من القوة والسِّراية والنفوذ ما لم يجعل لغيره، حتى أدخل الشِّقْص الذي للشريك في ملك

  1. (١) في (هـ) والطبعتين: «تبعًا»، خطأ.
  2. (٢) انظر: «العزيز في شرح الوجيز» (٨/ ٤٢٩).
505

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي