إخراج عن ملكه لا يتوالى فيه ضمانان، ولا يكون التصرف بها عُرضةً لربح ما لم يضمن، بخلاف البيع.
ومِن أصحابنا من منعها، وقال: العلة المانعة من بَيعه قبل قبضه عدم استقرار الملك وضعفه، ولا فرق في ذلك بين تصرف وتصرف. فإن صحّ الفرق بطل النقض١، وإن بطل الفرق سوينا بين التصرفات، وعلى هذا فالحديث لا دلالة فيه على التصرف قبل القبض، إذ قبضُ ذلك البعير حصل بالتخلية بينه وبينه، مع تميزه وتعيينه٢، وهذا كاف في القبض.
فصل٣
وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان:
إحداهما: ضعف الملك، لأنه لو تلف انفسخ البيع.
والثانية: أن صحته تفضي إلى توالي الضمانين، فإنا لو صححناه كان مضمونًا للمشتري الأول على البائع الأول، وللمشتري الثاني على البائع الثاني، فكيف يكون الشيء الواحد مضمونًا لشخص مضمونًا عليه؟
وهذان التعليلان غير مرضيَّين. أما الأول، فيقال: ما تعنون بضعف الملك؟ إن عَنَيتم به أنه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به، أو أمرًا آخر؟ فإن عنيتم الأول فلِمَ قلتم: إنه مانع من صحة البيع، وأي ملازمة بين الانفساخ بسبب طارئ، وبين عدم الصحة شرعًا أو عقلًا؟ وإن عنيتم بضعف
(٢) في الطبعتين: «تعيّنه»، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل.
(٣) «فصل» ساقط من ط. المعارف.
الملك أمرًا آخر، فعليكم بيانه لننظر فيه.
وأما التعليل الثاني، فكذلك أيضًا، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم، فإن كون الشيء مضمونًا على الشخص بجهة، ومضمونًا له بجهة أخرى غير ممتنع شرعًا ولا عقلًا، ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه، كيف وأنتم تجوّزون للمستأجر إجارة ما استأجره، والمنفعة مضمونة له على المؤجر، وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني.
وكذلك الثمار بعد بُدُوِّ صلاحها إذا بِيعت على أصولها، فهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقي اتفاقًا، وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة عليه عند أحمد ومالك، ومع ذلك فله أن يبيعها على رؤوس الشجر وتصير مضمونةً عليه١ وله.
ولهذا لمّا رأى أبو المعالي الجويني ضعف هذين التعليلين قال٢: لا حاجة إلى ذلك، والمعتمد في بطلان البيع إنما هو الأخبار.
فالشافعي يمنع التصرف في المبيع قبل قبضه، ويجعله من ضمان البائع مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، وأبو حنيفة كذلك إلا في العقار. وأما مالك وأحمد في المشهور من مذهبه٣ فيقولان: ما تمكّن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد، فهو من ضمان المشتري، ومالك يجوّز التصرف فيه وأحمد، ويقولان: المُمَكَّن من القبض جارٍ مجرى القبض على تفصيل في
(١) من قوله: «عند أحمد» إلى هنا ساقط من الأصل لانتقال النظر، واستدرك من (هـ).