تهذيب السنن

فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة: منعُ المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه، وتنقطع عُلَق البائع، وينفطم عنه، [ق ١٩٢] فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض، وهذا من المصالح التي لا يُهملها الشارع، حتى إن من لا خبرة له من التجار بالشرع يتحرَّى ذلك ويقصده، لما في ظنه من المصلحة وسدِّ باب المفسدة. وهذه العلة أقوى من تَينِك العلتين.

وعلى هذا، فإذا باعه من بائعه قبل قبضه١ جاز على الصحيح، لانتفاء هذه العلة. ومن علّل النهي بتوالي الضمانين يمنع بيعه من بائعه لوجود العلة، فبيعه من بائعه يشبه الإقالة، والصحيح من القولين جواز الإقالة قبل القبض وإن قلنا: هي بيع.

وعلى هذا خرج حديث ابن عمر في الاستبدال بثمن المبيع والمصارفة عليه قبل قبضه، فإنه استبدال ومصارفة مع العاقد، لا مع غيره.

١٦ - باب في الرجل يبيع ما ليس عنده

٤١٢/ ٣٣٦١ - عن عمرو بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن أبيه ــ حتى ذكر عبد الله بن عمرو ــ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يَحِلُّ سَلَف وبيع، ولا شرطانِ في بيع، ولا ربحُ ما لم تضمن، ولا بيعُ ما ليس عندك».

وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي٢، وقال: حسن صحيح. ويشبه أن يكون صحّحه لتصريحه فيه بذكر عبد الله بن عمرو، ويكون مذهبه في الامتناع من الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب إنما هو الشكّ في إسناده لجواز أن يكون

  1. (١) الأصل: «باعه قبل قبضه من بائعه»، والمثبت من (هـ) أوضح.
  2. (٢) أبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي (٤٦١١)، وابن ماجه (٢١٨٨)، والترمذي (١٢٣٤).
512

الضمير عائدًا على محمد بن عبد الله بن عمرو، فإذا صرَّح بذكر عبد الله بن عمرٍو انتفى ذلك. هذا كلام المنذري١.

قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحِيَل الربوية، وقد اشتمل على أربعة أحكام:

الحكم الأول: تحريم الشرطين في البيع، وقد أشكل على أكثر الفقهاء معناه من حيث إن الشرطين إن كانا فاسدين فالواحد حرام، فأي فائدة لذكر الشرطين؟ وإن كانا صحيحين لم يَحْرُما.

فقال ابن المنذر٢: قال أحمد وإسحاق فيمن اشترى ثوبًا واشترط على البائع خياطته وقِصارته، أو طعامًا واشترط طحنه وحمله: إن شرط أحدَ هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن شرط شرطين فالبيع باطل. وبهذا فسّره القاضي أبو يعلى٣ وغيره.

وعن أحمد في تفسيره رواية ثانية، حكاها الأثرم٤، وهو أن يشتريها على أن لا يبيعها من أحد ولا يطأها؛ ففسّره بالشرطين الفاسدين.

وعنه رواية ثالثة، حكاها إسماعيل بن سعيد الشالَنْجي٥ عنه، هو أن يقول: إذا بعتَها فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة. ومضمون هذه

  1. (١) في «المختصر» (٥/ ١٤٧ - ١٥٠)، والفقرة مثبتة من (هـ).
  2. (٢) في «الإشراف» (٦/ ١٢٤)، والمؤلف صادر عن «المغني» (٦/ ٣٢٢).
  3. (٣) كما في «المغني» (٦/ ٣٢٢).
  4. (٤) المصدر السابق.
  5. (٥) المصدر السابق.
513

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي