تهذيب السنن

القلَّتين، فيجوز للناس أن يبولوا في القلَّتين فصاعدًا، وحاشى الرسول ﷺ أن يكون نهيه خرج على ما دون القلتين، ويكون قد جَوَّز للناس البولَ في كلّ ما١ بلغ القلتين أو زاد عليهما، وهل هذا إلا إلغاز في الخطاب أن يقول: "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري"، ومراده من هذا اللفظ العام: أربعمائة رطل بالعراقيِّ أو خمسمائة، مع ما يتضمَّنه التجويز من الفساد العام وإفساد موارد الناس ومياههم عليهم؟

وكذلك حَمْله على ما لا يمكن نزحُه، أو ما لا يتحرَّك أحدُ طرفيه بحركةِ طرفه الآخر. وكلّ هذا خلاف مدلول الحديث، وخلاف ما عليه الناس وأهل العلم قاطبة، فإنهم ينهون عن البول في هذه المياه وإن كان مجرَّد البول لا ينجّسها، سدًّا للذريعة. فإنه إذا مُكِّن الناسُ من الأبوال في هذه المياه وإن كانت كبيرة عظيمة لم تلبث أن تتغيّر وتفسد على الناس، كما رأينا من تغيّر الأنهار الجارية بكثرة الأبوال.

وهذا كما نهى عن إفساد ظِلالهم عليهم بالتخلِّي فيها، وإفساد طرقاتهم بذلك٢. فالتعليل بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه ومقصوده، وحِكْمته بنهيه، ومراعاته مصالحَ العباد، وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم وطرقاتهم وظِلالهم، كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجنّ من طعامهم وعَلَف دوابّهم٣.

فهذه علّة معقولة تشهد لها العقول والفِطَر، ويدلّ عليها تصرّف الشرع

  1. (١) ط. الفقي: "ماء". وهو محتمل.
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٤٥٠) من حديث ابن مسعود ﵁.
64

في موارده ومصادره، ويقبلها كلّ عقل سليم، ويشهد لها بالصحَّة.

وأما تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي، أو بما يتحرّك أو لا يتحرّك، أو بعشرين ذراعًا مُكسَّرة١، أو بما لا يمكن نزحُه فأقوالٌ كلٌّ منها بكلٍّ مُعَارَضٌ، وكلٌّ بكلٍّ مُناقَض، لا يُشَمّ منها رائحة الحكمة، ولا يُشام منها بوارق المصلحة، ولا يَتَعطَّل بها المفسدة المَخُوفة.

فإنّ الرجل إذا علم أن النهي إنما تناول هذا المقدار من الماء، لم يبق عنده وازع ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه. وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال. وكلّ شرط أو علة أو ضابط رجع٢ على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال.

ومما يدلّ على هذا: أن النبيَّ ﷺ ذكر في النهي وصفًا يدلّ على أنه هو المعتبر في النهي، وهو كون الماء "دائمًا لا يجري" ولم يقتصر على قوله: "الدائم" حتى نَبّه على العلة بقوله: "لا يجري"، فتقف النجاسة فيه، فلا يذهب بها. ومعلومٌ أنَّ هذه العلة موجودة في القلتين وفيما زاد عليهما.

والعجب من مناقضة المحدّدين بالقلتين لهذا المعنى، حيث اعتبروا القلتين حتى في الجاري، وقالوا: إن كانت الجَرْية قُلّتين فصاعدًا لم تتأثر بالنجاسة، وإن كانت دون القُلّتين تأثرت، وأَلْغَوا كون الماء جاريًا أو واقفًا،

  1. (١) في الأصل وط. المعارف: "مكثّرة"، وفي ش: "بكثرة"، وأثبتها الفقي في طبعته بالسين على الصواب. ومعنى "عشرين ذراعًا مكسّرة" أي: عشرين ذراعًا في عشرين ذراعًا. فهي عبارة يستعملها الحُسّاب في ضرب عددٍ في مثله. انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص ٢٦٧).
  2. (٢) في ط: "يرجع" والرسم في الأصل محتمل، والمثبت موافق لما في (ش).
65

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي