تهذيب السنن

الرواية أن الشرطين يتعلقان بالبائع، فيبقى له فيها عُلقتان: علقة قبل التسليم، وهي الخدمة؛ وعلقة بعد البيع، وهو كونه أحق بها. فأما اشتراط الخدمة فيصح، وهو استثناء منفعة المبيع مدةً، كاستثناء ركوب الدابة ونحوه. وأما شرط كونه أحق بها بالثمن، فقال في رواية المرُّوذي١: هو في معنى حديث النبي ﷺ: «لا شرطان في بيع»، يعني لأنه شرط أن يبيعه إياه، وأن يكون البيع بالثمن الأول، فهما شرطان في بيع.

وروى عنه إسماعيل بن سعيد٢ جواز هذا البيع. وتأوله بعض أصحابنا على جوازه مع فساد الشرط، وحمل رواية المرُّوذي على فساد الشرط وحده. وهو تأويل بعيد، ونصُّ أحمد يأباه.

قال إسماعيل بن سعيد: ذكرت لأحمد حديث ابن مسعود أنه قال: «ابتعتُ من امرأتي زينب الثقفية جارية، وشرطتُ لها: إنْ٣ بعتُها فهي لها٤ بالثمن الذي ابتعتُها به، فذكرت ذلك لعمر، فقال: لا تَقرَبْها ولأحدٍ فيها شرط»٥. فقال أحمد: البيع جائز، و«لا تقربها» لأنه كان فيها شرط واحد للمرأة، ولم يقل عمر في ذلك: البيع فاسد.

  1. (١) كما في «المغني» (٦/ ١٧١).
  2. (٢) كما في «المغني» (٦/ ١٧١)، وسيأتي قريبًا لفظ روايته بتمامه.
  3. (٣) الأصل: «أني»، والتصحيح من (هـ) و«المغني».
  4. (٤) من (هـ)، وفي الأصل: «لي» خطأ، وإنما يصحّ لو كان أوّله: «اشترطَتْ عليه: أنّك إن بعتَها ...»، كما هو لفظ «الموطأ».
  5. (٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٨٠١)، وعبد الرزاق (١٤٢٩١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٢٣٥).
514

فهذا يدل على تصحيح أحمد للشرط من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه قال: «لا تقربها»، ولو كان الشرط فاسدًا لم يمنع من قربانها.

الثاني: أنه علل ذلك بالشرط، فدل على أن المانع من القربان هو الشرط، وأنَّ وطأها يتضمن إبطال ذلك الشرط، لأنها قد تحمل فيمتنع عودها إليه١.

الثالث: أنه قال: «كان فيها شرط واحد للمرأة»، فذِكْره وحدةَ الشرط يدل على أنه صحيح عنده، لأن النهي إنما هو عن الشرطين.

وقد حكى عنه بعض أصحابنا رواية صريحة: أن البيع جائز والشرطَ صحيح. ولهذا حمل القاضي٢ منعه من الوطء على الكراهة، لأنه لا معنى لتحريمه عنده مع فساد الشرط. وحمله ابن عقيل على الشبهة، للاختلاف في صحة هذا العقد.

وقال القاضي في «المجرد»٣: ظاهر كلام أحمد: أنه متى شرط في العقد شرطين بطل، سواءٌ كانا صحيحين أو فاسدين لمصلحة العقد أو لغير مصلحته، أخذًا بظاهر الحديث وعملًا بعمومه.

وأما أصحاب الشافعي وأبي حنيفة٤ فلم يفرقوا بين الشرط

  1. (١) في الأصل: «لأنه قد تحمل .... إليها»، والتصحيح من (هـ).
  2. (٢) كما في «المغني» (٦/ ١٧١)، وفيه قول ابن عقيل الآتي.
  3. (٣) كما في «المغني» (٦/ ٣٢٢).
  4. (٤) انظر: «الحاوي الكبير» (٥/ ٣١٢ - ٣١٣)، و«المهذب» (٩/ ٤٥١ - ٤٥٣ مع المجموع)؛ و«الأصل» (٢/ ٤٤١) للشيباني، و«المبسوط» (١٣/ ٢٣).
515

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي