تهذيب السنن

الشرط الواحد الفاسد منهي عنه، فلا فائدة في التقييد بشرطين في بيع، وهو يتضمن زيادةً في اللفظ، [ق ١٩٣] وإيهامًا بجواز الواحد. وهذا ممتنع على الشارع مثلُه، لأنه زيادة مخِلَّة بالمعنى.

وأما التفسير الثالث، وهو أن يشترط أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، وأن ذلك يتضمن شرطين: أن لا يبيعها لغيره وأن يبيعه إياها بالثمن= فكذلك أيضًا، فإنّ كلَّ واحدٍ منهما إن كان فاسدًا فلا أثر للشرطين، وإن كان صحيحًا لم يفسد بانضمامه إلى صحيح مثله، كاشتراط الرهن والضمين، واشتراط التأجيل والرهن، ونحو ذلك.

وعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات:

إحداهن: صحة البيع والشرط.

والثانية: فسادهما.

والثالثة: صحة البيع وفساد الشرط.

وهو ﵁ إنما اعتمد في الصحة على اتفاق عمر وابن مسعود على ذلك. ولو كان هذا هو الشرطين في البيع لم يخالفه لقولِ أحدٍ على قاعدة مذهبه، فإنه إذا كان عنده في المسألة حديث صحيح لم يتركه لقول أحد، ويَعْجَب ممن يخالفه من صاحب أو غيره.

وقوله في رواية المرُّوذي: هو في معنى حديث النبي ﷺ: «لا شرطان في بيع»، ليس تفسيرًا منه صريحًا، بل تشبيه وقياس على معنى الحديث، ولو قُدِّر أنه تفسير فليس بمطابق لمقصود الحديث، كما تقدم.

وأما تفسير القاضي في «المجرد»، فمِن أبعدِ ما قيل في الحديث

517

وأفسدِه، فإنَّ شرط ما يقتضيه العقد، أو ما هو من مصلحته، كالرهن والتأجيل والضمين ونقد كذا= جائز بلا خلاف، تعددت الشروط أو اتحدت.

فإذا تبين ضعف هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي ﷺ بعضه ببعض، فنفسِّر كلامَه بكلامه فنقول: نظير هذا نهيه ﷺ عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة. فروى سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة١.

وفي «السنن»٢ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا».

وقد فُسِّرت البيعتان في البيعة بأن يقول: أبيعك بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئةً، وهذا بعيد من معنى الحديث من وجهين:

أحدهما: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد.

الثاني: أن هذا ليس بصفقتين، إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين؛ وقد ردَّده بين الأَوكَس٣ أو الربا، ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا، فليس هذا معنى الحديث.

وفُسِّر بأن يقول: خُذ هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعَينها. وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله، وهو

  1. (١) سبق تخريجه (ص ٤٧٠).
  2. (٢) أي «سنن أبي داود»، وقد سبق تخريجه (ص ٤٥٨).
  3. (٣) في الأصل وط. الفقي: «الأوليين»، وفي ط. المعارف: «الأوكسين»، كلاهما تحريف.
518

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي