أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا؛ فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا.
ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى. وهذا هو بعينه الشرطان في بيع، فإن الشرط يطلق على العقد نفسه لأنهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط، والشرط يُطلَق على المشروط كثيرًا، كالضرب١ على المضروب، والحلق على المحلوق، والنسخ على المنسوخ. فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة.
وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه ﷺ في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع ــ رواه أحمد٢ ــ، ونَهْيَه في هذا الحديث عن شرطين في بيع، وعن سلف وبيع٣؛ فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع، ومع البيعتين في البيعة.
وسرُّ ذلك: أن كِلا الأمرين يؤول إلى الربا، وهو ذريعة إليه. أما البيعتان في بيعة فظاهر، فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرط له، كان قد باع بما شرط له بعشرة٤ نسيئة. ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة.
(١) في الطبعتين بعده: «يُطلق» خلافًا للأصل.
(٢) رقم (٦٦٢٨) من حديث عبد الله بن عمرو، وليس ابن عمر، وقد سبق التنبيه على ذلك. وهو نفس حديث الباب إلا أن لفظه: «بيعتين في بيعة»، والذي في حديث الباب ــ وهو لفظ أكثر الروايات ــ: «شرطين في بيع»، وهما بمعنى.
(٣) النهي عن سلف وبيع هو الحكم الثاني من الأحكام الأربعة التي ذكرها المؤلف في مطلع كلامه (ص ٥١٣).
(٤) ط. المعارف: «لعُسرة»، تصحيف.
وأما السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعةً إلى الزيادة في القرض الذي موجَبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك. فظهر سرُّ قوله ﷺ: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع»، وقولِ ابن عمر: «نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع»، واقترانِ إحدى الجملتين بالأخرى لمّا كانا سُلَّمًا إلى الربا.
ومن نظر في الواقع وأحاط به علمًا فهم مرادَ الرسول ﷺ من كلامه، ونزّله عليه. وعلم أنه كلامُ من جُمِعت له الحكمة، وأوتي جوامع الكلم، فصلوات الله وسلامه عليه، وجزاه أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته. وقد قال بعض السلف: اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول الله ﷺ.
ولما كان موجب عقد القرض رد المثل من غير زيادة كانت الزيادة ربا. قال ابن المنذر١: أجمعوا على أن المُسْلِف إذا شرط على المستسلف زيادةً أو هديةً فأسلف على ذلك= أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن ابن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عباس أنهم نَهَوا عن قرضٍ جرَّ منفعة٢.
وكذلك إن شرط أن يُؤَجِّره داره أو يبيعه شيئًا لم يَجُزْ، لأنه سُلَّم إلى الربا، ولهذا نهى عنه النبي ﷺ.
ولهذا منع السلف ﵃ من قَبول هدية المقترض إلا أن يحتسبها
(١) في «الإشراف» (٦/ ١٤٢)، و«الأوسط» (١٠/ ٤٠٧)، والمؤلف صادر عن «المغني» (٦/ ٤٣٦).
(٢) أسند هذه الآثار ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٤٠٧ - ٤٠٨). وأخرجها أيضًا ابن أبي شيبة (٢١٠٥٨، ٢١٠٥٩، ٢١٠٦٨).