تهذيب السنن

ومالك والأوزاعي والشافعي١.

وروي عنه الجواز، نقله ابن المنذر٢؛ لأنه مصلحة لهما، فلم ينفرد المُقرض٣ بالمنفعة، وحكاه٤ عن علي، وابن عباس، والحسن بن علي، وابن الزبير، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وأيوب، والثوري، وإسحاق. واختاره القاضي٥.

ونظير هذا: لو أفلس غريمه فأقرضه دراهم يوفيه كلَّ شهر شيئًا معلومًا من ربحها جاز، لأن المُقرض لم ينفرد بالمنفعة.

ونظيره: لو كان له عليه حنطة، فأقرضه دراهم يشتري له بها حنطة ويوفيه إياها.

ونظير ذلك أيضًا: إذا أقرض فلّاحه ما يشتري به بقرًا يعمل بها في أرضه، أو بَذْرًا يَبْذُره فيها. ومنعه ابن أبي موسى٦، والصحيح جوازه، وهو اختيار صاحب «المغني»٧؛ وذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه،

  1. (١) انظر: «الكافي» لابن عبد البر (٢/ ٧٢٨ - ٧٢٩)، و«الأوسط» (١٠/ ٤١٧)، و«الأم» (٤/ ٦٥).
  2. (٢) في «الأوسط» (١٠/ ٤١٧) عنه وعن إسحاق، وانظر: «مسائلهما» برواية الكوسج (٢/ ٣٢).
  3. (٣) في الأصل والطبعتين: «المقترض»، خطأ.
  4. (٤) أي ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٤١٥ - ٤١٧)، وقد أسند هذه الآثار أيضًا ابن أبي شيبة (٢١٤١٨ - ٢١٤٢٧).
  5. (٥) انظر: «المغني» (٦/ ٤٣٧)، وهو ما رجحه أبو محمد أيضًا.
  6. (٦) في «الإرشاد» (ص ٢٣٧).
  7. (٧) (٦/ ٤٤٠).
523

ويحصل انتفاع المقرض ضمنًا، فأشبه أخذ السَّفْتَجَة به وإيفاءَه إياه في بلد آخر، من حيث إنه مصلحة لهما جميعًا.

والمنفعة التي تجرّ إلى الربا في القرض، هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض وركوب دوابه، واستعماله، وقبول١ هديته؛ فإنه لا مصلحة له في ذلك بخلاف هذه المسائل، فإن المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة.

وأما نهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن٢، فهو كما ثبت عنه في حديث عبد الله بن عمر حيث قال له: إني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم. فقال: «لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها وتفرقتما وليس بينكما شيء»٣، فجوز ذلك بشرطين:

أحدهما: أن يأخذها بسعر يوم الصرف، لئلا يربح فيها وليستقر ضمانه.

والثاني: أن لا يتفرقا إلا عن تقابض، لأنه شرط في صحة الصرف لئلا يدخله ربا النسيئة.

والنهي عن ربح ما لم يضمن قد أشكل على بعض الفقهاء علّته. وهو من محاسن الشريعة، فإنه لم يتم عليه استيلاء، ولم تنقطع عُلَق البائع عنه، فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه فإنما يقبضه على إغماض وتأسّف على فوت الربح، فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه. وهذا معلوم بالمشاهدة، فمِن كمال الشريعة

  1. (١) في الأصل وط. المعارف: «قبول» بدون واو العطف، والصواب إثباتها.
  2. (٢) وهو الحكم الثالث من الأحكام الأربعة التي اشتمل عليها الحديث.
  3. (٣) سبق تخريجه.
524

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي