ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستولي عليه ويكون من ضمانه، فييأس البائع من الفسخ وتنقطع علقه عنه.
وقد نص أحمد١ على ذلك في الاعتياض عن دين القرض وغيره: أنه إنما يعتاض٢ عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمسألتين:
إحداهما: بيع الثمار بعد بدو صلاحها، فإنكم تجوّزون لمشتريها أن يبيعها على رؤوس الأشجار ويربح فيها، ولو تلفت بجائحة لكانت من ضمان البائع، فيلزمكم أحد أمرين: إما أن تمنعوا بيعها، وإما أن لا تقولوا بوضع الجوائح، كما يقول الشافعي وأبو حنيفة، بل تكون من ضمانه، فكيف تجمعون بين هذا وهذا؟
المسألة الثانية: أنكم تجوِّزون للمستأجر أن يُؤَجِّر العين المستأجرة بمثل الأجرة وزيادة، مع أنها لو تلفت لكانت من ضمان المؤجر، فهذا ربح ما لم يضمن.
قيل: النقض الوارد إما أن يكون بمسألة [ق ١٩٥] منصوص عليها أو مُجمَعٍ على حكمها، وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما ولا مجمع على حكمهما، فلا يَرِدان نقضًا، فإن في جواز بيع المشتري ما اشتراه من الثمار على الأشجار كذلك روايتان منصوصتان عن أحمد٣.
(١) سبق عزو كلامه.
(٢) في الأصل: «يعتاد»، تحريف سماعي.
(٣) انظر: «الإنصاف» (١٢/ ١٩١ - ١٩٢).
فإن مُنع البيع بطل النقض، وإن جوّزنا البيع ــ وهو الصحيح ــ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به، ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضًا، فجوَّزنا له بيعها لأنها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها، وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة، لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه. فلما كانت مقبوضة من وجه غير مقبوضة من وجه رتّبنا على الوجهين مقتضاهما، وهذا من ألطف الفقه.
وأما مسألة الإجارة، فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز إجارة الرجل ما استأجره بزيادة على ثلاث روايات١:
إحداهن: المنع مطلقًا، لئلا يربح فيما لم يضمن، وعلى هذا فالنقض مندفع.
والثانية: أنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة، وإلا فلا، لأن الزيادة لا تكون ربحًا بل هي في مقابلة ما أحدثه من العمارة. وعلى هذه الرواية أيضًا فالنقض مندفع.
والثالثة: أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقًا، وهذه مذهب الشافعي٢. وهذه الرواية أصح، فإن المستأجر لو عطَّل المكان وأتلف منافعه بعد قبضه لتلفت من ضمانه، لأنه قبضه القبض التام، ولكن لو