فإن مُنع البيع بطل النقض، وإن جوّزنا البيع ــ وهو الصحيح ــ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به، ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضًا، فجوَّزنا له بيعها لأنها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها، وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة، لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه. فلما كانت مقبوضة من وجه غير مقبوضة من وجه رتّبنا على الوجهين مقتضاهما، وهذا من ألطف الفقه.
وأما مسألة الإجارة، فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز إجارة الرجل ما استأجره بزيادة على ثلاث روايات١:
إحداهن: المنع مطلقًا، لئلا يربح فيما لم يضمن، وعلى هذا فالنقض مندفع.
والثانية: أنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة، وإلا فلا، لأن الزيادة لا تكون ربحًا بل هي في مقابلة ما أحدثه من العمارة. وعلى هذه الرواية أيضًا فالنقض مندفع.
والثالثة: أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقًا، وهذه مذهب الشافعي٢. وهذه الرواية أصح، فإن المستأجر لو عطَّل المكان وأتلف منافعه بعد قبضه لتلفت من ضمانه، لأنه قبضه القبض التام، ولكن لو
(١) انظر: «الإنصاف» (١٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
(٢) انظر: «المهذب» (١٥/ ٣٠٦ مع تكملة المجموع).
انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجّر لزوال محل المنفعة، فالمنافع مقبوضة ولهذا له استيفاؤها بنفسه وبنظيره، وإيجارُها والتبرع بها. ولكن كونها مقبوضةً مشروط ببقاء العين، فإذا تلفت العين زال محل الاستيفاء، فكانت من ضمان المؤجر.
وسرّ المسألة: أنه لم يربح فيما لم يضمن، وإنما ربح فيما١ هو مضمون عليه بالأجرة.
وأما قوله ﷺ: «ولا تبع ما ليس عندك»٢ فمطابق لنهيه ﷺ عن بيع الغرر، لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له وقد لا يحصل، فيكون غررًا، كبيع الآبق والشارد والطير في الهواء، وما تحمل ناقته ونحوه.
قال حكيم بن حزام: يا رسول الله، الرجل يأتيني يسألني البيع ليس عندي فأبيعه منه، ثم أمضي إلى السوق، فأشتريه وأسلمه إياه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك»٣.
وقد ظنّ طائفة أن السَّلَم مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه بيع ما ليس عنده. وليس كما ظنوه، فإن الحديث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السَّلَم
(١) «ربح فيما» سقطت من ط. الفقي.
(٢) هو الحكم الرابع والأخير.
(٣) أخرجه أحمد (١٥٣١١)، وأبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢، ١٢٣٥)، والنسائي (٤٦١٣) من حديث يوسف بن ماهَك، عن حكيم بن حزام. قال الترمذي: حديث حسن. وقد قيل: إن يوسف لم يسمع من حكيم بدليل رواية أحمد (١٥٣١٦) وابن حبان (٤٩٨٣) وفيها: «عبد الله بن عصمة» بينهما، ولفظها: «إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه»، وقد سبق تخريجه (ص ٤٩٨ - ٤٩٩).