انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجّر لزوال محل المنفعة، فالمنافع مقبوضة ولهذا له استيفاؤها بنفسه وبنظيره، وإيجارُها والتبرع بها. ولكن كونها مقبوضةً مشروط ببقاء العين، فإذا تلفت العين زال محل الاستيفاء، فكانت من ضمان المؤجر.
وسرّ المسألة: أنه لم يربح فيما لم يضمن، وإنما ربح فيما١ هو مضمون عليه بالأجرة.
وأما قوله ﷺ: «ولا تبع ما ليس عندك»٢ فمطابق لنهيه ﷺ عن بيع الغرر، لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له وقد لا يحصل، فيكون غررًا، كبيع الآبق والشارد والطير في الهواء، وما تحمل ناقته ونحوه.
قال حكيم بن حزام: يا رسول الله، الرجل يأتيني يسألني البيع ليس عندي فأبيعه منه، ثم أمضي إلى السوق، فأشتريه وأسلمه إياه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك»٣.
وقد ظنّ طائفة أن السَّلَم مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه بيع ما ليس عنده. وليس كما ظنوه، فإن الحديث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السَّلَم
(١) «ربح فيما» سقطت من ط. الفقي.
(٢) هو الحكم الرابع والأخير.
(٣) أخرجه أحمد (١٥٣١١)، وأبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢، ١٢٣٥)، والنسائي (٤٦١٣) من حديث يوسف بن ماهَك، عن حكيم بن حزام. قال الترمذي: حديث حسن. وقد قيل: إن يوسف لم يسمع من حكيم بدليل رواية أحمد (١٥٣١٦) وابن حبان (٤٩٨٣) وفيها: «عبد الله بن عصمة» بينهما، ولفظها: «إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه»، وقد سبق تخريجه (ص ٤٩٨ - ٤٩٩).
فعقدٌ على ما في الذمة، بل شرطه أن يكون في الذمة، فلو أسلم في معيَّن عنده كان فاسدًا، وما في الذمة مضمون مستقر فيها. وبيع ما ليس عنده إنما نهي عنه لكونه غيرَ مضمون عليه، ولا ثابت في ذمته، ولا في يده. فالمبيع لا بد أن يكون ثابتًا في ذمة المشتري أو في يده، وبيع ما ليس عنده ليس بواحدٍ منهما، فالحديث باق على عمومه.
فإن قيل: فأنتم تجوّزون للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه من غاصبه، وهو بيع ما ليس عنده.
قيل: لما كان البائع قادرًا على تسليمه بالبيع، والمشتري قادرًا على تسلّمه من الغاصب، فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالًا وهو عند المشتري وتحت يده، وليس عند البائع. والعِنْدية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة، فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده ومشاهدته، وإنما هي عندية الحكم والتمكين، وهذا واضح ولله الحمد.
١٧ - باب من اشترى عبدًا فاستغلَّه [ثم رأى عيبًا]١
٤١٣/ ٣٣٦٥ - عن مَخلَد بن خُفاف، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «الخرَاجُ بالضَّمان».
وأخرجه الترمذي والنسائي٢، وقال الترمذي: حديث حسن.
(١) في «السنن» و«المختصر»: «فاستعمله»، وكان ناسخ الأصل كتبه كذلك ثم غيَّره إلى ما هو مثبت، وما بين الحاصرتين من «المختصر». وفي «السنن»: «ثم وجد به عيبًا».
(٢) أبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٤٤٩٠)، من طريق ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف به.