وقال بعض الناس: هذا رأي لعطاء، أدرجه عبد الملك في الحديث إدراجًا.
فهذا ما رمى به الناسُ عبد الملك وحديثه.
وقال آخرون: عبد الملك أجل وأوثق من أن يُتكلّم فيه. وكان يسمى «الميزان» لإتقانه وضبطه وحفظه٢، ولم يتكلم فيه أحد قط إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث، وهو كلام باطل، فإنه إذا لم يُضعِّفه إلا من أجل هذا [ق ١٩٧] الحديث كان ذلك دورًا باطلًا، فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبد الملك؛ فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث الذي لم يُعلَم ضعفه إلا من جهة عبد الملك، ولم يُعلَم ضعف عبد الملك إلا بالحديث؛ وهذا محال من الكلام، فإن الرجل من الثقات الأثبات الحفاظ الذين لا مطمع في الطعن٣ فيهم٤.
وقد احتج به مسلم في «صحيحه»، وخرّج له عدة أحاديث، ولم ينكِر
(١) أسنده ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٣٠٢)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ١٠٧)، وعلّقه في «معرفة السنن» (٨/ ٣١٧).
(٢) هكذا كان يسمّيه سفيان الثوري، انظر: «الجرح والتعديل» (٥/ ٣٦٦)، و«جامع الترمذي» عقب الحديث، و«تهذيب الكمال» (٤/ ٥٥٦).
(٣) في الأصل: «في للطعن» سهو، والتصحيح من (هـ).
(٤) قد يقال: إن شعبة ضعَّف عبد الملك وحديثَه لمخالفته اللفظَ المحفوظ لحديث جابر من رواية أبي سلمة وأبي الزبير عنه ــ وقد أشار إلى ذلك الشافعي كما سبق ــ، وحينئذ فلا دور، فتأمل.
عليه١ تصحيحَ حديثه والاحتجاج به أحدٌ من أهل العلم، واستشهد به البخاري. ولم يروِ ما يخالف الثقات، بل روايته موافقة لحديث أبي رافع الذي أخرجه البخاري، ولحديث سمرة الذي صححه الترمذي، فجابر ثالث ثلاثة في هذا الحديث: أبي رافع، وسمرة، وجابر، فأي مطعن على عبد الملك في رواية حديث قد رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة؟
والذين ردُّوا حديثه ظنوا أنه معارض لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه: «الشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة».
وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميّز الحدود وتصريف الطرق واختصاص كل ذي مُلكٍ بطريق، ومنطوقُ حديث عبد الملك إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير، ومنطوقه غير معارض له.
وهذا بيِّن، وهو أعدل الأقوال في المسألة، فإن الناس في شفعة الجوار طرفان ووسط، فأهل المدينة وأهل الحجاز وكثير من الفقهاء ينفونها مطلقًا، وأهل الكوفة يثبتونها مطلقًا، وأهل البصرة يثبتونها عند الاشتراك في حق من حقوق الملك، كالطريق والماء ونحوه، وينفونها عند تميز كل ملك بطريقه حيث لا يكون بين المُلّاك اشتراك. وعلى هذا القول تدل أحاديث جابر منطوقُها ومفهومُها، ويزول عنها التضاد والاختلاف، ويُعلَم أن عبد الملك لم يرو ما يخالف رواية غيره.