نهى عن التخلِّي في الظل النافع، وتخلَّى مستترًا١ بالشجرتين والحائط، حيث لم ينتفع أحدٌ بظلِّهما، فلم يُفسد ذلك الظلَّ على أحد.
وبهذا الطريق يُعْلَم أنه إذا كان ﷺ قد نهى عن البول في الماء الدائم، مع أنه قد يحتاج إليه، فَلَأنْ ينهى عن البول في إناء ثم صبّه فيه بطريق الأولى.
ولا يستريب في هذا مَن عَلِم حكمةَ الشريعة، وما اشتملت عليه مِن مصالح العباد ونصائحهم. ودع الظاهريةَ البحتةَ، فإنها تقسّي القلوب، وتحجبها عن رُؤية محاسن الشريعة وبهجتها، وما أودعته من الحِكَم والمصالح، والعدل والرحمة.
وهذه الطريق التي جاءتك عفوًا تنظر إليها نَظَر مُتّكئ على أريكته قد تَقَطَّعَت في مفاوزها أعناقُ المَطي، لا يسلكها في العالَم إلا الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارَها إلَّا٢ من أقْرَحَت قلبَه الأقوالُ المختلفة، والاحتمالات المتعدِّدة، والتقديرات المستبعدة. فإن علت هِمّتُه جعل مذهبَه عُرضةً للأحاديث النبوية، وخِدْمته بها، وجعله أصلًا محكمًا يردّ إليه متشابهها، فما
(١) في الأصل: "مشيرًا" خطأ.
(٢) كذا في الأصل، وأسقطت (إلا) من المطبوعات. ويكون المعنى بإثباتها: أنه لا يعرف مقدار هذه الطرق إلا من تعب في النظر في الأقوال المختلفة، والاحتمالات ... فلما وجد هذه الطريق عرف قيمتها. لكن يشكل عليه بقية الكلام: "فإن علت همته ... "، فإنه لا يستقيم المعنى إلا بحذف "إلا"، أي: أنه لا يعرف مقدار هذه الطريق من فسد قلبه لامتلائه بكثرة الاحتمالات والتأويلات البعيدة .. إلخ.
وافقه منها قَبِلَه، وما خالفه تكلَّفَ له وجوهًا لردّ١ الجميل، فما أتعبه من شقاء، وما أقلّ فائدته!
ومما يُفْسِد قولَ المحدِّدين بقُلّتين: أن النبيّ ﷺ نهى عن البول في الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول. هكذا لفظ "الصحيحين": "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"٢. وأنتم تجوِّزون أن يُغتسل في ماءٍ دائمٍ قدر القُلَّتين بعدما بال فيه. وهذا خلافٌ صريح للحديث. فإن منعتم الغسل فيه، نقضتم أصلكم، وإن جَوَّزتموه خالفتم الحديثَ. فإن جَوَّزتم البولَ والغُسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعًا.
ولا يقال: فهذا بعينه وارد عليكم، لأنه إذا بال في الماء اليسير ولم يتغيَّر جوَّزتم له الغُسْل فيه؛ لأنا لم نُعلّل النهيَ بالتنجيس، وإنما عللناه بإفضائه إلى التنجيس، كما تقدم، فلا يَرِد علينا هذا.
وأما إذا كان الماء كثيرًا، فبال في ناحيةٍ ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يَصِل إليها البول، لم٣ يدخل في الحديث؛ لأنه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه، وإلا لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبدًا، وهو فاسد.
وأيضًا فالنبيُّ ﷺ نهى عن الغسل فيه بعد البول، لما يُفْضي إليه من إصابة البول له.
ونظير هذا: نهيه أن يبول الرجل في مستحمِّه. وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول، فيقع في الوسواس، كما في