وافقه منها قَبِلَه، وما خالفه تكلَّفَ له وجوهًا لردّ١ الجميل، فما أتعبه من شقاء، وما أقلّ فائدته!
ومما يُفْسِد قولَ المحدِّدين بقُلّتين: أن النبيّ ﷺ نهى عن البول في الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول. هكذا لفظ "الصحيحين": "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"٢. وأنتم تجوِّزون أن يُغتسل في ماءٍ دائمٍ قدر القُلَّتين بعدما بال فيه. وهذا خلافٌ صريح للحديث. فإن منعتم الغسل فيه، نقضتم أصلكم، وإن جَوَّزتموه خالفتم الحديثَ. فإن جَوَّزتم البولَ والغُسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعًا.
ولا يقال: فهذا بعينه وارد عليكم، لأنه إذا بال في الماء اليسير ولم يتغيَّر جوَّزتم له الغُسْل فيه؛ لأنا لم نُعلّل النهيَ بالتنجيس، وإنما عللناه بإفضائه إلى التنجيس، كما تقدم، فلا يَرِد علينا هذا.
وأما إذا كان الماء كثيرًا، فبال في ناحيةٍ ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يَصِل إليها البول، لم٣ يدخل في الحديث؛ لأنه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه، وإلا لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبدًا، وهو فاسد.
وأيضًا فالنبيُّ ﷺ نهى عن الغسل فيه بعد البول، لما يُفْضي إليه من إصابة البول له.
ونظير هذا: نهيه أن يبول الرجل في مستحمِّه. وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول، فيقع في الوسواس، كما في
(١) ط. الفقي: "بالرد غير الجميل" خلافًا للأصل.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في المطبوعتين: "فلا" خلاف الأصل.
الحديث: "فإنّ عامّة الوَسْواس منه"١. حتى٢ لو كان المكان مبلّطًا لا تستقر فيه البولة، بل تذهب مع الماء، لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء.
ونظيرُ هذا: منع البائل أن يستجمر أو يستنجي موضع بوله، لما يفضي إليه من التلوث بالبول.
ولم يُرِد النبيُّ ﷺ بنهيه الإخبارَ عن نجاسة الماء الدائم بالبول، فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينه عنه.
والذي يدلّ على ذلك: أنه قيل له في بئر بُضاعة: أنتوضأ منها وهي بئر يُلقى فيها الحِيَض ولحوم الكلاب وعَذِر الناس؟ فقال: "الماء طهور لا ينجّسه شيء"٣. فهذا نصّ صحيح صريح على أن الماء لا يَنجُس بملاقاة النجاسة، مع كونه واقفًا، فإن بئر بُضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جارٍ أصلًا. فلا يجوز تحريم ما أباحه وفَعَله قياسًا على ما نَهى عنه، ويُعارَضَ أحدهما بالآخر، بل يستعمل هذا وهذا؛ هذا٤ في موضعه، وهذا في موضعه. ولا تُضرب سنةُ رسول الله ﷺ بعضها ببعض.
فوضوؤه من بئر بضاعة ــ وحالُها ما ذكروه له ــ دليلٌ على أن الماء لا يتنجَّس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغيَّر. ونهيُه عن الغسل في الماء الدائم بعد
(١) أخرجه أبو داود (٢٧)، والترمذي (٢١)، والنسائي (٣٦)، وابن ماجه (٣٠٤)، وأحمد (٢٠٥٦٩) وغيرهم من حديث عبد الله بن مغفّل. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الأشعث بن عبد الله، وصححه ابن حبان والحاكم، إلا أن قوله: "فإن عامة الوسواس منه" موقوف لا يصح رفعه.
(٢) كذا في الأصل، والسياق يقتضي: "لكن".
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) عليها علامة التصحيح في الأصل، لئلا يُظن أن "هذا" مكررة.