تهذيب السنن

وقال بعضهم: الشهادة هنا بمعنى الحضور لا الإخبار. وهذا إخراج للكلام عن الفائدة، وحمله على خلاف مراده، والسياق يبطل هذا التأويل المستنكر.

وقال بعضهم: الشهادة هنا بمعنى اليمين. وظاهر السياق بل صريحه يشهد بأنها شهادة صريحة مؤكَّدة باليمين، فلا يجوز تعطيل وصف الشهادة.

وقال بعضهم: الآية منسوخة. وهذه دعوى باطلة، فإن المائدة من آخر القرآن نزولًا، ولم يجئ بعدها ما ينسخها، فلو قدر نصٌّ يعارِض هذا من كل وجه لكان منسوخًا بآية المائدة.

وقال بعضهم: هذه الآية تُرِك العمل بها إجماعًا. وهذا مجازفة وقول بلا علم، فالخلاف فيها أشهر من أن يخفى، وهي مذهب كثير من السلف١، وحكم بها أبو موسى الأشعري٢، وذهب إليها الإمام أحمد٣.

٥ - باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به

٤٣٧/ ٣٤٦١ - عن عُمارة بن خُزيمة أن عمَّه حدثه ــ وهو من أصحاب النبي ﷺ ــ: أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبيُّ ﷺ ليقضيَه ثمنَ فرسه، فأسرع النبيُّ ﷺ المشيَ وأبطأ الأعرابيُّ، فطفِقَ رجال يعترضون الأعرابيَّ فيساومونه الفرسَ ولا يشعرون أنَّ النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابيُّ رسولَ الله ﷺ

  1. (١) كابن المسيب، وشريح القاضي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي وغيرهم. انظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٥٥٣٨ - ١٥٥٤٢)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٢٢٨٨٨ - ٢٢٨٩٧)، و«تفسير الطبري» (٩/ ٦١ - ٦٧).
  2. (٢) كما سبق في حديث الباب.
  3. (٣) انظر: «مسائله» برواية عبد الله (ص ٤٣٥)، وبرواية صالح (٢/ ٢١٨).
559

فقال: إن كنتَ مبتاعًا هذا الفرسَ وإلا بعتُه، فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال: «أوَليسَ قد ابتَعْتُه منك؟»، فقال الأعرابيُّ: لا واللهِ ما بعتُك! فقال النبي ﷺ: «بلى قد ابتَعْتُه منك»، فطفق الأعرابي يقول: هَلُمَّ شَهِيدًا، فقال خُزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: «بِمَ تَشهَد؟» فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسولُ الله ﷺ شهادةَ خزيمة بشهادة رجلين.

وأخرجه النسائي١.

وهذا الأعرابي هو: سَواءُ بن الحارثِ ــ وقيل: قيسٍ ــ المُحاربي، ذكره غير واحد في الصحابة. وقيل: إنه جحد البيع بأمر بعض المنافقين.

وقيل: إن هذا الفرس هو «المرتجز» المذكور في أفراس النبي ﷺ.

وقال الشافعي٢: وقد حفظ عن النبي ﷺ أنه بايع أعرابيًا في فرس فجحد الأعرابي بأمر بعض المنافقين ولم يكن بينهما بينة، فلو كان حتمًا لم يبايع رسول الله ﷺ بلا بينة ــ يريد قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]ــ٣.

قال ابن القيم ﵀: وقد احتج بهذا الحديث من يرى أن للحاكم أن يحكم بعلمه، قال: وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد والاستظهار، ولهذا لم يكن معها يمين٤.

  1. (١) أبو داود (٣٦٠٧)، والنسائي (٤٦٤٧)، وكذلك الحاكم (٢/ ١٧ - ١٨) من طرق عن الزهري، عن عمارة بن خُزيمة به.
  2. (٢) «الأم» (٤/ ١٨٠).
  3. (٣) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه اختصار وتصرّف من المؤلف عمّا في «المختصر» المخطوط، وليس في مطبوعته النقل عن الشافعي.
  4. (٤) انظر: «معالم السنن» للخطابي (٥/ ٢٢٤)، وأن للحاكم أن يحكم بعلمه هو قول الشافعي. انظر: «نهاية المطلب» (١٨/ ٥٨٠).
560

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي