تهذيب السنن

النهي عن الكتاب متأخرًا لمحاها عبد الله لأمر النبي ﷺ بمحو من كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح، والحمد لله.

وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال لهم في مرض موته: «ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا»١. وهذا إنما كان يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه.

وكتب النبي ﷺ لعمرو بن حزم كتابًا عظيمًا في الديات وفرائض الزكاة وغيره٢.

وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب٣، وكتاب

  1. (١) أخرجه البخاري (١١٤)، ومسلم (١٦٣٧/ ٢١) واللفظ به أشبه.
  2. (٢) أخرج نصّ الكتاب بتمامه ابن حبّان في «صحيحه» (٦٥٥٩)، والحاكم (١/ ٣٩٥ - ٣٩٧) من طريق الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده. والصواب في إسناده: عن الزهري قال: قرأتُ في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم. أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٢٥٧)، وقال: «أُسند هذا ولا يصحّ». وهو كتاب مشهور عند أهل العلم، وقد أمر عمر بن عبد العزيز عمّاله على الصدقات أن يأخذوا بما فيه، وشهد له ابن شهاب الزهري بالصحة، وصدّر به مالك «كتاب العقول» من «الموطأ». انظر: «التمهيد» (١٧/ ١٥٩)، و«مستدرك الحاكم» (١/ ٣٩٤ - ٣٩٥).
  3. (٣) وتوارثه أبناؤه من بعده، حتى انتسخه عمر بن عبد العزيز من سالم وعبد الله ابنَي عبد الله بن عمر، فأمر عمّاله بالعمل به، وقد أقرأه سالمٌ الزهريَّ أيضًا فرواه، وأدركه مالك فقرأه ورواه بنصه في «الموطأ» (٦٩٧). انظر: «سنن أبي داود» (١٥٧٠)، و«مستدرك الحاكم» (١/ ٣٩٣).
    وأخرجه أحمد (٤٦٣٢)، والترمذي (٦٢١)، والحاكم (١/ ٣٩٢) من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ موصولًا، والصواب هو الأول أن الزهري قرأه عند سالم، ليس فيه ذكر لأبيه. انظر: «العلل» للدارقطني (٢٧٢٣).
576

أبي بكر الصديق الذي دفعه إلى أنس١.

وقيل لعلي: هل خَصَّكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا ما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقول وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مؤمن بكافر٢.

وإنما نهى النبي ﷺ عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام لئلا يختلط القرآن بغيره؛ فلما عُلِم القرآن، وتميَّز وأفرد بالضبط والحفظ، وأُمنِت عليه مفسدةُ الاختلاط= أذن في الكتابة.

وقد قال بعضهم: إنما النهي عن كتابة مخصوصة، وهي أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، خشية الالتباس.

وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقًا، وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ، فإذا حفظ محاها٣.

وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها، ولولا الكتابة لم يكن بأيدينا اليوم من السنة إلا أقلُّ القليل.

  1. (١) أخرجه البخاري (١٤٥٤) وأبو داود (١٥٦٧).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣٠٤٧).
  3. (٣) انظر آثارهم في «تقييد العلم» للخطيب، و«جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (باب ذكر كراهية كتابة العلم - باب ذكر الرخصة في كتابة العلم).
577

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي